محمد الكلابي
كان الحاكم قديماً يعرف رعيته من خلال ما يُرفع إليه من أخبار، ويقيس طاعتهم بما يظهر من أفعالهم. أما اليوم، فقد أصبحت حياة الإنسان اليومية مصدراً متواصلاً للمعلومات عن رغباته ومخاوفه وميوله، حتى صار بالإمكان توقع جانب من سلوكه قبل أن يتخذ قراره. ومع هذا التحول، اكتسبت السلطة قدرة جديدة على التأثير، تتجاوز حدود الحكم السياسي إلى تفاصيل الحياة الشخصية. فالذي يمتلك البيانات ووسائل تحليلها يستطيع أن يعرف عن الناس ما يعجزون أحياناً عن إدراكه في أنفسهم.
في كتابه «الأمير»، تناول نيكولو ميكافيلي الوسائل التي يلجأ إليها الحاكم لاكتساب السلطة والمحافظة عليها، وناقش استعمال القوة والخداع حين تفرضهما ضرورات الحكم. كان الأمير مطالباً بفهم الطبيعة البشرية، ومعرفة مواطن الخوف والطمع والولاء، حتى يتمكن من توجيه سلوك رعيته وحماية موقعه. وقد تغيرت الأدوات التي تُمارس بها هذه الحسابات السياسية، بينما ظلت معرفة الإنسان واستثمار دوافعه إحدى الوسائل الفاعلة لاكتساب النفوذ.
تمنح التكنولوجيا الحديثة هذه المعرفة اتساعاً لم يكن متاحاً لحكام الماضي. فكل بحث نجريه، وكل منشور نتفاعل معه، وكل دقيقة نقضيها أمام محتوى معين، تترك أثراً يمكن جمعه وتحليله. ومن تراكم هذه الآثار تتشكل صورة عن اهتماماتنا واتجاهاتنا، تُستخدم لتوقع ما قد يجذب انتباهنا أو يؤثر في اختياراتنا. وهكذا أصبحت البيانات مورداً للنفوذ، وأصبح التحكم في تدفق المعلومات وسيلة مؤثرة في تشكيل الوعي العام.
تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل وفيسبوك، قدرة واسعة على تنظيم المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين. فالخوارزميات ترتب الأخبار والمنشورات، وتقترح ما يستحق المشاهدة، وتمنح بعض الموضوعات انتشاراً أوسع من غيرها. ومع تكرار التعرض لمحتوى معين، قد تتغير تصورات الفرد عن أهمية القضايا وحجم التأييد الذي تحظى به. فالإنسان الذي يرى رأياً يتكرر أمامه كل يوم قد يظنه أكثر شيوعاً مما هو عليه في الواقع، ويبدأ تدريجياً في التعامل معه بوصفه حقيقة اجتماعية مستقرة.
وتتجلى خطورة هذه الآلية حين تتحول معرفة الميول الشخصية إلى وسيلة لاستثمارها. فالشخص الذي تُظهر بياناته اهتماماً بقضية سياسية يمكن استهدافه برسائل مصممة لاستثارة مخاوفه أو تعزيز قناعاته. والمستهلك الذي يتردد في شراء منتج قد يتعرض لإعلانات متكررة تستثمر رغبته أو شعوره بالنقص. وتزداد فاعلية التأثير حين تُصاغ الرسالة وفقاً لنقاط الضعف النفسية لدى المتلقي، حتى يشعر أن ما يُعرض عليه يستجيب لرغبة نشأت لديه بصورة مستقلة.
يمكن تسمية هذا النمط من ممارسة النفوذ «الميكافيلية الرقمية»، حيث تُستثمر المعرفة بالسلوك البشري في توجيه الاختيارات وتحقيق المصالح. وتتفاوت صور هذه الممارسة بين التسويق التجاري والتأثير السياسي، وقد تبلغ حد التلاعب المتعمد حين تُستخدم المعلومات لإخفاء حقائق أو تضخيم مخاوف أو صناعة انطباعات مضللة. وتكمن المشكلة في اختلال العلاقة بين الطرفين؛ فالمستخدم يعرف القليل عن الآليات التي تنتقي له المحتوى، بينما تمتلك الجهات المشغلة معلومات واسعة عن سلوكه وتفضيلاته.
وللمؤثرين الرقميين موقع داخل هذه المنظومة. فقد أصبح بعضهم قادراً على توجيه اهتمام ملايين الأشخاص، والتأثير في أذواقهم ومواقفهم، مستفيداً من الثقة الشخصية التي يبنيها مع جمهوره. وتمنحهم المنصات انتشاراً يتفاوت بحسب أنظمة التوصية والتفاعل، فتتشابك مصالح أصحاب المحتوى مع المصالح التجارية للجهات التي تدير فضاء النشر. وقد يجد المتابع نفسه يتبنى رأياً أو سلوكاً لأنه اعتاد رؤيته لدى شخصية يثق بها، من غير أن يفحص أسبابه بالقدر الكافي.
تثير هذه التحولات مسألة فلسفية تتعلق بطبيعة الحرية الإنسانية. فالاختيار يتأثر دائماً بالبيئة الاجتماعية والمعرفة المتاحة والتجارب السابقة، وقد أضافت الخوارزميات إلى هذه المؤثرات قدرة دقيقة على انتقاء ما يظهر أمام الفرد وترتيب أولوياته. وإذا كانت رغبات الإنسان تتشكل جزئياً بما يراه ويسمعه، فإن الجهة القادرة على تنظيم هذا المجال تمتلك نفوذاً على الظروف التي تنشأ فيها قراراته. وكلما ضاقت معرفته بآليات هذا التأثير، ازدادت صعوبة التمييز بين ميوله الشخصية وما ترسخ لديه بفعل التعرض المتكرر.
ويصبح الأمر أكثر تعقيداً حين يشارك الإنسان طوعاً في تغذية المنظومة التي تؤثر فيه. فهو يمنحها المعلومات كلما تفاعل مع منشور أو بحث عن موضوع أو أمضى وقتاً في مشاهدة محتوى معين. وتستخدم الأنظمة هذه الإشارات لتحسين توقعاتها وتخصيص ما تعرضه عليه لاحقاً. وهكذا تنشأ علاقة متبادلة: سلوك المستخدم يساهم في تشكيل ما سيشاهده، وما يشاهده يؤثر بدوره في سلوكه المقبل. ومع استمرار هذه الدورة، قد تضيق دائرة اهتماماته دون أن ينتبه إلى مقدار ما استُبعد من مجال رؤيته.
غير أن الخوارزميات لا تعمل جميعها بقصد سياسي أو ضمن خطة موحدة للسيطرة. فكثير منها مصمم لتحقيق أهداف تجارية، مثل زيادة التفاعل وإطالة مدة الاستخدام. وتنبع خطورتها أحياناً من النتائج التي تنتجها هذه الأهداف، حين يصبح المحتوى الأكثر إثارة للانفعال أقدر على الانتشار من المحتوى الأعمق أو الأدق. عندئذٍ يمكن أن تتحول المنافسة على انتباه الإنسان إلى قوة تعيد ترتيب أولوياته، وتؤثر في إدراكه للعالم، حتى من دون وجود حاكم يصدر الأوامر أو يحدد النتائج مسبقاً.
لقد كان ميكافيلي معنياً بكيفية احتفاظ الأمير بسلطته من خلال فهم البشر وإدارة دوافعهم. أما الميكافيلية الرقمية فتفتح مجالاً أوسع لاستثمار هذه المعرفة، حيث يمكن توجيه السلوك عبر بيئة المعلومات التي يعيش فيها الإنسان. ويصبح النفوذ أشد تعقيداً عندما تتداخل المصالح الاقتصادية مع التأثير الاجتماعي والسياسي، وتغدو القرارات التي تبدو فردية جزءاً من نظام واسع لجمع البيانات وتحليلها واستثمارها.
وتبدأ مواجهة هذا النفوذ بفهم الآليات التي تمنحه قوته، وإخضاعها للمساءلة والرقابة، وتمكين الأفراد من معرفة كيفية استخدام بياناتهم والتأثير في اختياراتهم. فالحرية تحتاج إلى وعي بالظروف التي تتشكل فيها الإرادة، وإلى قدرة فعلية على مراجعة ما يُعرض علينا والخروج من الدوائر التي تحصر رؤيتنا للعالم.
كان الأمير في الماضي يخشى أن يفقد سيطرته على رعيته، أما الإنسان اليوم فعليه أن ينتبه إلى مقدار السيطرة التي يتنازل عنها في تفاصيل حياته اليومية. وربما كانت أخطر سلطة تلك التي يعتاد المرء حضورها حتى يكف عن ملاحظتها، ويواصل تزويدها بما تحتاج إليه لمعرفة خطوته التالية.
