ماذا حلّ بنادي النجف؟

حارث أحمد جابر

في كرة القدم، لا ينهار الفريق حين يخسر، بل حين يتوقف عن معرفة لماذا يلعب.

هذا ما يمكن ملاحظته اليوم في مسار نادي النجف الرياضي.

تأسس نادي النجف في مطلع الستينيات بوصفه إطاراً لطاقات لا تجد طريقاً منظماً. خرج من الفرق الشعبية في الفرات الأوسط، ثم دخل المنافسة الوطنية سريعاً، لا كفريق هامشي، بل كطرف يفرض نفسه. مع الوقت، أصبح واحداً من أكثر أندية المحافظات قدرة على مقارعة الفرق البغدادية.

مشاركته في دوري أبطال آسيا عام 2007 شكّلت نقطة مفصلية. كان أول نادٍ من خارج العاصمة يدخل البطولة، وحقق فوزاً على السد القطري في الدوحة. هذا الحدث لم يكن نتيجة عابرة، بل تعبيراً عن قدرة النادي على تجاوز موقعه التقليدي.

في تلك المرحلة، قدّم النجف عدداً من اللاعبين الذين أصبحوا ركائز في الكرة العراقية: علي هاشم، حيدر نجم، حيدر يحيى، حيدر عبودي، جاسب سلطان، كرار جاسم. كثير منهم مثّلوا المنتخبات الوطنية في مختلف الفئات. محلياً، حضر النادي بقوة في بطولات الكأس، وكان وصيفاً للدوري في أكثر من موسم.

التراجع لم يحدث فجأة. بدأ عندما تحوّلت الإدارة من إدارة مشروع رياضي إلى إدارة مواقع. الصراع لم يكن على الرؤية، بل على السيطرة. غابت الخطة، وحضر الارتجال. كل موسم أُدير بوصفه حالة مستقلة، دون تراكم خبرة أو بناء مسار واضح.

كل إدارة تدخل كأنها الأولى، وتخرج كأنها الأخيرة؛ لا شيء يُورَّث سوى الفشل بصيغة جديدة.

بهذا المنطق، يتحول النادي من كيان يتقدّم، إلى مساحة تدوير للأدوار. لا تُبنى معرفة، ولا تُراجع أخطاء، ولا يُسأل الماضي عمّا لم يُنجزه. الزمن هنا لا يتحرك، بل يعيد إنتاج ذاته بصيغة أضعف.

قلة الدعم المالي أثرت، لكنها لم تكن العامل الحاسم. الأموال التي تصل بلا رؤية تُستهلك دون أثر طويل. في غياب إدارة متخصصة، تتحول الموارد إلى حلول مؤقتة، لا إلى بنية مستدامة. الاستثمار لا يُقاس بما يدخل، بل بما يبقى، وما يبقى اليوم أقل من الحاجة.

البيروقراطية زادت من تعقيد المشهد. القرارات تتأخر، الإجراءات تتضخم، والمحاسبة تغيب. هذا النمط الإداري لا يسمح بتطوير فريق تنافسي، بل يُبقي النادي في حالة إدارة أزمات مستمرة. التأخير هنا ليس زمنياً فقط، بل ذهني: كل فكرة تصل بعد أن يفوت وقتها.

رغم ذلك، ما تزال النجف مدينة قادرة على إنتاج المواهب. المشكلة أن هذه الطاقات لا تجد مساراً واضحاً داخل النادي، فتبحث عن فرص خارجية. هكذا يفقد النادي دوره بوصفه مؤسسة تصنع الاستمرارية، ويتحوّل إلى نقطة عبور.

أزمة نادي النجف ليست أزمة نتائج، بل أزمة تعريف.

هل هو مشروع رياضي قابل للتطور، أم اسم كبير بلا بنية حديثة؟

وما لم يُحسم هذا التعريف عملياً، سيبقى التراجع قائماً، مهما تغيّرت الإدارات أو الموارد. المطلوب ليس تبديل أشخاص، بل تغيير منطق. ليس إنقاذ موسم، بل إعادة بناء مسار. نادي النجف لا يحتاج من يُديره، بل من يفهم لماذا وُجد أصلاً.


مشاركة المقال :