مصطفى طه الياسري
الراحلان أحمد راضي، نجم كبير وأحد أساطير كرة القدم العراقية، وعبد الواحد عزيز، بطل أولمبي برفع الاثقال ربما لم يسمع عنه الكثير، وجهان لعملة واحدة لكن الفرق بينهما في نوع اللعبة التي مثلاها. أحمد راضي سجّل هدفًا خالدًا في كأس العالم 1986 في شباك بلجيكا، وبعد أكثر من أربعين عامًا لازال هدفه يتردد كأول هدف في كأس العالم والوحيد للكرة العراقية، فأصبح رمزًا وطنيًا أكثر من كونه إنجازًا كرويًا. عبد الواحد عزيز صنع اسمه في الألعاب الفردية، خصوصًا رفع الأثقال، بهدوء بعيدًا عن الإعلام، محققًا نتائج حقيقية وإنجازًا لم يتكرر ولم ينل ما يستحقه من اهتمام. هنا تتجلى المفارقة في العراق: كرة القدم تصنع ذكريات وأغنيات، والألعاب الفردية تصنع الإنجاز.
الألعاب الفردية تجعل الرياضي يواجه التحدي بمفرده، بلا أعذار، الفوز أو الخسارة يتحملها باسمه وتاريخه وجهده العالي. دول العالم تفضل هذا النوع من الرياضات لأنه الطريق الأقصر للميداليات والألقاب، إذ يعتمد على الموهبة والانضباط والاستمرارية. أما في العراق فقد جرى تهميش هذا المفهوم لصالح كرة القدم، رغم أنها لم تقدّم سوى لحظات عاطفية متفرقة أبرزها هدف أحمد راضي، دون أن تتحول إلى مشروع إنجاز حقيقي.
كرة القدم العراقية، ورغم شعبيتها الجارفة، لم تحصد نتائج عالمية حقيقية: مشاركات محدودة، غياب طويل عن كأس العالم، وإخفاقات متكررة على مستوى الأندية والمنتخب في آسيا. ومع ذلك استمرت في استنزاف الاهتمام والإعلام والتمويل، بينما تُركت الألعاب الفردية التي يمكن أن تصنع أبطالًا بأقل الإمكانات في الظل. هدف واحد في مونديال أصبح أسطورة، في حين أن ميداليات وإنجازات فردية حقيقية مرت وكأنها أخبار عابرة.
عبد الواحد عزيز يمثل نموذج الرياضي الفردي الذي قدّم للعراق وسامًا أولمبيًا حقيقيًا، لكن دون أن يتحول إلى رمز جماهيري، ليس لأنه أقل قيمة، بل لأن الثقافة الرياضية السائدة تربط الإنجاز بالصورة الجماعية والهالة الإعلامية لا بعدد الألقاب. نحن نمجد اللحظة في كرة القدم عاطفيًا ونتجاهل المجد في الألعاب الفردية.
لو كان تعريف النجاح الرياضي في العراق قائمًا على النتائج لا الشعبية، لكانت الألعاب الفردية في الصدارة. لاعب واحد قادر على رفع علم العراق في بطولة قارية أو عالمية، بينما كرة القدم تحتاج سنوات طويلة واستقرارًا إداريًا غير متوفر. ومع ذلك ما زال الرهان الأكبر يُوضَع على كرة القدم، رغم أن إنجازاتها لا توازي حجم الاهتمام الحكومي والمالي والشعبي.
اختيار المثال بين أحمد راضي وعبد الواحد عزيز ليس انتقاصًا من أحد، وإنما كشف خلل في واقع الألعاب الفردية. الأول صنع لحظة خالدة، والثاني صنع نتيجة حقيقية. العراق بحاجة اليوم إلى أن يفهم أن الألعاب الفردية ليست رياضات ثانوية، بل هي جوهر الإنجاز الرياضي الحديث. كرة القدم مهما كانت محبوبة لم تعد كافية وحدها لصناعة المجد.
المستقبل الرياضي العراقي لن يُبنى على هدف جميل في الذاكرة، بل على ميدالية تُضاف إلى السجل. وعندما يتغير هذا المفهوم سيأخذ عبد الواحد عزيز وأمثاله المكانة التي يستحقونها، ليس كوجوه أكلها النسيان، وإنما صنّاع إنجاز حقيقي يوازي ويتجاوز صدى هدف في كأس العالم.
أنقذوا الألعاب الفردية من طي النسيان، وابدأوا بالتخطيط الصحيح، فعراقنا منجم مواهب لا يحتاج سوى إلى وضعهم على الطريق الصحيح. أولى الخطوات سترون بعدها إنجازات تفوق كرة القدم بكثير. رفع العلم العراقي في تلك المحافل يستحق الكثير.
