فلاح الكلابي
سألتني أستاذة التصوف في الجامعة، تلك التي أحببت حضور محاضراتها لما فيها من هدوء واحترام للمعنى قبل المعلومة ، لماذا أنت صامت؟
لم يكن سؤالها مفاجئاً في صياغته، بل في أثره.
قيل بهدوء، وفي لحظة عادية، لكنه فتح مساحة داخلية لم أكن ألتفت إليها. جاءت المقارنة بين صمتي وبين بعض الطلبة الذين اعتادوا أن يملؤوا القاعة بالكلام الخفيف، أولئك الذين يعرفون كيف يجعلون الجو أكثر ألفة، دون أن يشعروا بثقل اللحظة.
توقفت قليلا. شعرت بأن السؤال وضعني في مواجهة مباشرة مع نفسي. حين يُسأل الإنسان عن شيء اعتاده، يدرك فجأة أنه لم يكن يراه بوضوح. الصمت كان موجودا، لكن معناه لم يكن حاضرا في ذهني قبل تلك اللحظة.
بعد المحاضرة، ظل السؤال يرافقني.
لماذا أميل إلى الصمت؟ ما الذي يجعلني أقل كلاماً في مواقف تبدو عادية للآخرين؟
وجدت أن الصمت لم يكن نقصاً في الرغبة، ولا عجزا عن المشاركة.
كان نتيجة شعور داخلي مستقر، فيه شيء من الحزن، لكن ليس الحزن الصاخب أو المستنزف. هو حزن هادئ، أشبه بمعرفة تراكمت مع الوقت، وجعلتني أتعامل مع الأشياء بقدر من التحفظ والاختيار.
هذا النوع من الحزن لا يدفع صاحبه للكلام الكثير، بل يجعله أكثر وعيا بما يقول.
هو لا يضغط على الداخل، لكنه يجعله ممتلئاً. امتلاء يجعل الكلام يبدو أحيانا أقل دقة من الصمت. فيفضل الإنسان أن يحتفظ ببعض ما يشعر به لنفسه، لا خوفا، بل احتراما لما في داخله.
الصمت ليس انسحابا من اللحظة، بل حضور مختلف فيها.
حضور يراقب أكثر مما يعلق، ويستمع أكثر مما يتحدث. ليس لأن الحديث غير مهم، بل لأن التجربة جعلت الإنسان يعرف أن بعض المعاني تفقد قيمتها حين تقال في غير وقتها.
حين يكون الصمت اختيارا، يتحول إلى موقف.
موقف لا يحتاج إلى شرح، ولا يسعى إلى لفت الانتباه. هو نتيجة طبيعية لحالة داخلية تعلمت أن الكلمة مسؤولية، وأن الإفراط في التعبير لا يعني دائما صدقاً أكبر.
الحزن، حين يُفهم بهذه الطريقة، لا يظهر في الملامح ولا في الشكوى.
يظهر في الاقتصاد في الكلام، في التمهل، وفي القدرة على ترك المساحة للآخرين دون شعور بالنقص. هو حزن يجعل صاحبه أقل رغبة في الضجيج، وأكثر ميلا للعمق.
مع الوقت، يصبح الصمت مكانا للترتيب الداخلي.
ليس مكانا للهروب، بل للتأمل. فيه يعيد الإنسان فهم ما مر به، ويختار بعناية ما يستحق أن يخرج إلى العلن وما يفضل أن يبقى خاصا.
ربما لهذا يبدو الصامتون أحيانا أبعد مما هم عليه فعلا
ليس لأنهم منعزلون، بل لأنهم يعيشون جزءا كبيرا من تجربتهم في الداخل، حيث لا تحتاج الأشياء إلى شرح مستمر.
وقد عبر دوستويفسكي عن هذه الحالة بدقة حين قال
«أشد أنواع الألم أن تكون صامتا، بينما في داخلك ألف صرخة».
ليست الصرخات هنا طلبا للكشف،
بل دلالة على عمق ما لا يحتاج إلى صوت.
الصمت ليس غيابا للكلام
بل نتيجة طبيعية لحزن علّم صاحبه أن المعنى أحيانا يُحفظ أكثر مما يُقال.
