من ثورة الكاسيت إلى عرش الطاووس إيران أمام الاختبارات الصعبة

فاروق الرماحي

 

 

هل تعود الملكية إلى إيران؟

سؤال لم يعد حبيس الصالونات السياسية في المنفى ولا مجرد حنين رمزي لدى معارضي الجمهورية الإسلامية بل بات يُطرح اليوم بوصفه احتمال له ارتداداته المباشرة على العراق والخليج وربما على بنية النظام الإقليمي بأكمله .

فحين يتآكل نظام مركزي بحجم وتأثير إيران لا يكون البحث عن البديل شأنًا داخليًا بل مسألة تتجاوز الحدود وتمس توازنات أمنية واقتصادية هشّة أصلًا .

 

مروّجو عودة عرش الطاووس لا يقدّمون الملكية كاستعادة لماضٍ منقضٍ بل كحلّ انتقالي أقل كلفة من انهيار غير منضبط .

ويُطرح رضا بهلوي الابن المقيم في الولايات المتحدة بوصفه رمزًا جامعًا قادرًا بحسب هذا الطرح على ضمان وحدة الدولة وطمأنة الخارج وقطع الطريق على الفوضى .

غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن أي تحوّل جذري في طهران لن يبقى داخل حدودها بل سينعكس فورًا على العراق حيث يتشابك النفوذ الإيراني مع بنية الدولة وعلى الخليج، الذي عاش أربعة عقود في ظل صراع مفتوح مع نتائج سقوط الشاه وصعود الجمهورية الإسلامية .

 

في التاريخ الإيراني مفارقة واضحة

رضا شاه بهلوي مؤسس الدولة البهلوية حاول في بدايات القرن العشرين إقامة نظام جمهوري لكن مشروعه أُسقط بفعل الرفض البريطاني وضغط رجال الدين فانتهى ملكًا على عرش طهران .

بعد قرن تقريبًا يظهر حفيده رضا محمد رضا بهلوي لا حاملًا لمشروع جمهوري مؤجَّل بل ساعيًا إلى استعادة ملكية أسقطتها ثورة شعبية غيّرت وجه إيران والمنطقة .

بين جمهورية رُفضت بالأمس وملكية يُروَّج لها اليوم تتجسّد مفارقة السياسة الإيرانية صراع دائم بين شكل الدولة وشرعيتها بين الماضي الذي جرى دفنه والحاضر الذي يبحث عن مخرج .

 

في الوقت الراهن، تعيش الجمهورية الإسلامية لحظة اختبار حقيقي .

منذ اغتيال قاسم سليماني الرجل الأقوى بعد المرشد شكّل أول صدع كبير في صورة الدولة المتماسكة تلاه استهداف أبرز الشخصيات المحورية في محور طهران في لبنان وانتهاءً بسقوط النظام السوري الحليف وحرب الأيام الاثني عشر التي كشفت هشاشة الأمن الداخلي الإيراني واختراقات استخباراتية عميقة .

اغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران وسقوط مروحية الرئيس الإيراني ومقتل كبار مساعديه أثناء عودته من أذربيجان أضاف اسئلة اكثر غموضا ًومزيد من الشك حول قدرة النظام على ضبط مفاصله الداخلية .

 

رغم ذلك فإن سيناريو الانهيار السريع على طريقة سوريا يبدو مستبعدًا كما أن انقلابًا عسكريًا كلاسيكيًا غير مرجّح في ظل قبضة الحرس الثوري الحارس الحقيقي للجمهورية.

السيناريو الأكثر واقعية هو التآكل البطيء اقتصاد منهك وضغط اجتماعي متصاعد وعزلة دولية طويلة الأمد كل هذا لن تؤتي ثمارها إلا إذا خرجت معارضة من داخل النظام نفسه من شخصية إصلاحية أو من الصف الأول .

أما الجيش التقليدي فيبقى أضعف من أن يتحرك دون كسر داخل بنية الحرس .

 

إقليميًا لا يبدو المشهد أقل تعقيدًا . دول الخليج تراقب بحذر مدركة أن سقوط النظام الإيراني قد يريحها تكتيكيًا لكنه قد يفتح أبواب فوضى تمتد آثارها إلى العراق أولًا حيث هشاشة الدولة وتداخل النفوذ الإيراني . الإعلام العربي في المقابل يروّج لفكرة السقوط بوصفها خلاصًا نهائيًا متجاهلًا سؤال اليوم التالي وكأن التجارب السابقة لم تعلّم المنطقة شيئًا عن كلفة الفراغ .

 

دوليًا، تلوّح واشنطن بالعقوبات والضربات وتترك باب التفاوض مواربًا فيما تحاول طهران كسب الوقت من دون التخلي عما تسميه مشروعها السيادي .

إسرائيل تراجع خطابها وباكستان تفاجئ بإعلان استعدادها لدعم إيران في حال ضربة قاصمة .

الجميع ينتظر والجميع يراهن لكن أحدًا لا يملك خريطة طريق واضحة .

 

يبقى السؤال الذي يتردد همسًا أكثر مما يُقال علنًا هل عودة عرش الطاووس باتت قريبة؟

وهل يمكن لرضا بهلوي الابن أن يتحول من رمز منفي إلى بديل سياسي؟

أم أن التاريخ الإيراني، المثقل بالانقلابات والثورات المؤجلة يرفض ببساطة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟

 

ما يبدو مؤكدًا أن إيران تعيش مأزقًا وجوديًا وأن مصير نظامها لن يكون شأنًا داخليًا .

المنطقة، التي لا تزال تدفع منذ أربعة عقود ثمن سقوط نظام الشاه تقف مرة أخرى أمام احتمال تغيير كبير .

ليس واضحًا كيف سيبدأ هذا التغيير ولا كيف سينتهي لكن المؤكد أن نتائجه أياً كانت لن تتوقف عند حدود إيران .


مشاركة المقال :