كتب المحرر السياسي للمستقل :
لم تكن التظاهرات التي خرجت في المدن الايرانية غير متوقعة فقد حذرت مراكز أبحاث إيرانية كموقعاقتصاد ايران وكار فرمايان و غيرهما ، من اندلاع تظاهرات نتيجة الأوضاع المعيشية الصعبة ، كما انخبراء دوليون ومراقبون توقعوا مثل هذه التحديات ، في ظل ظروف إقليمية ودولية تتربص بالنظامالايراني ، وهي مستعدة ان تنفق ما كلفها من اجل احداث هذه التظاهرات ، فهناك ومنذ فترة ليستبالقصيرة عداء واضح ومعلن ومواجهات اعلامية بين ايران من جهة وإسرائيل والسعودية وأمريكا منجهة اخرى ، ولم تخفي هذه الدول رغبتها بالتخلص من النظام في طهران. ، فقد صرح الامير تركيالفيصل في العام 2018 في باريس في احتفال لمنظمة مجاهدي خلق الايراني ولقائه بمريم رجوي انهسيحتفل معها في طهران قريباً ، ولم يكن تصريح الأمير تركي جزافاً ، وهو رئيس الاستخبارات السعودية، بل هناك مشروعاً يخطط له ويطبخ على نار هادئة، ويؤكد ذلك ما صرح بحرنتينياهو مراراً بانه مستعد للتحالف مع الدول العربية السنية ضد ايران في اشارة للعزف على الوتر الطائفي ، وقال في كازخستان ان ايران ستتعرض لخطر نتيجة عدائها لإسرائيل. ، وفِي كلمة لترامب في الامم المتحدة عام 2018 , قبيل نقضه الاتفاق النووي ، دعا ايران لترك دعمها للارهاب، وهو اتهام صريح ، ثم وضع الحرس الثوريالايراني على قائمة الارهاب ، وندد بالاتفاق النووي بين ايران ومجموعة 5+1 كل هذه المواقف تتضحاليوم. بشكل جلي في تضخيم صورة الاحتجاجات والرغبة العارمة في تغيير نظام الحكم في ايران وان ماحدث لم يكن بمعزل عن هذه الدول وتدخلاتها .
لكن يبقى ان نقول ان هذه الرغبات والتصريحات لا يمكن ان تلقى اذان صاغية لو لم تكن هناك ظروفموضوعية. وأوضاع داخلية ساعدت بشكل او بآخر على تفجر الشارع، فالأوضاع الاقتصادية المتردية اثقلت كاهل المواطن الايراني، علاوةً على تدني سعر صرف التومان الذي فقد في الستة أشهر الاخيرة. بحدود 25% من قيمته بالاضافة الى افلاس ثلاث مصارف إيرانية كاسبين وآرمان وآخر وهي مرتبطةبالبنك المركزي الايراني الذي افقدت المودعين أموالهم علاوة على الأرباح التي وعدت بها هذه البنوك ،ولم تحل مشكلة البنوك الى هذا اليوم ، كما ان الرواتب بقيت على حالها رغم ارتفاع أسعار السلعالاساسية فقد تراوحت بين 180 – 220 دولار وهي لا تكفي لأسبوع واحد للمعيشة كما ذكر النائبالايراني بروير فتاح، وكان مركز كانون عالي كارفرمايان ايران قد قال في تقرير له نشر على موقعه انالأوضاع المعيشية تنذر بالخطر ، وذكر ان ١١مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر . كما عرضت صحفرسمية إيرانية صوراً لإيرانيين يسكنون المقابر العامة مما ولد حالة من الاستياء في الشارع هناك ، أضفالى ذلك
ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت وفق مركز الإحصاءات الايراني 12.4% فهناك نحو 3.2 مليون عاطل عنالعمل في ايران.
كما ان الايرانيون كانوا يعولون على الاتفاق النووي الذي أيده الشارع وخرجوا بالملايين لدعمه ،متأملين بانعكاسات اقتصادية عليهم لكنهم لم يجنوا ثمار هذا الاتفاق، بعد ان انتهى مفعوله بخطوة ترامب لنقضه، مما سبب لهم خيبة أمل زادت من سخط الفقراء مع تفاقم الاوضاع .
لكن في المقابل استطاعت طهران ان تبعد الخطر عن حدودها وان تحمي شعبها وان تحقق إنجازات علىمستوى السياسة الخارجية بتواجدها في سوريا والعراق. ولبنان. وكل ذلك قبل اغتيال السيد نصر الله وتضعضع وضع حزب الله وسقوط نظام الاسد، وقبل حرب الـ 12 يوم ، لكن هذا الامر لا يعني المواطنفي الداخل وليس محل اهتمامه، فقد ركز الفقير على لقمة عيشة وجعلها اولوية تتقدم الأمن ، مماجعل البعض يجدها فرصة مناسبة لتأجيج الأوضاع .
وسَرِّح خيال البعض الاخر و راهنوا على سقوط النظام الايراني بمجرد انطلاق التظاهرات متناسين ان التظاهرات لا تسقط النظام و النظام ليس هشا الى هذه الدرجة وله اتباع ومريدين وان الجيوشالرديفة التي أسسها نظام الجمهورية الاسلامية كالحرس الثوري. والبسيج (اي قوات التعبئة الشعبية ) لديها القدرة على حماية النظام ، لانها جيوش عقائدية ، ومن المعلوم ان الدول الثيوقراطية لا يمكنتسقط بهذه السهولة والتجارب في التاريخ كثيرة .
والامر الأكثر أهمية فيما ذهبنا اليه في هذا التحليل هو طبيعة الشعب الايراني الذي لا يتعاطف معالتدخل الخارجي وهذه حقيقة تاريخية منذ تأسيس الدولة الغزنوية مروراً بالقاجارية و الصفوية الىوقتنا الحاضر ولعل فردوسي قد أوضح ذلك في كتاب الشاهنامة الشهير الذي يتحدث عن مراحل الحكموالحكام في ايران.
بالاضافة الى ان التحريض الخارجي سيدعم النظام هناك ويقويه وسيلتف الشعب حوله وهناكمصاديق لهذا .
ولعل واحد من العوامل المضرة بالتظاهرات هو تصريحات نتينياهو وترامب وتطبيل الاعلام العربي ، وخلق برابگاندا اعلامية للتظاهرات ، فكما حصل في استفتاء كردستان حينما صرح نتنياهو بدعم الدولةالكردية مما اضعف مسعود بارزاني وجاء بنتائج عكسية سيحدث الامر في ايران .
ثم ان المطالب ليست سياسية بل هي اقتصادية ، مطالب حقة من اجل توفير العيش الكريموالحكومة ستلتزم بتنفيذها لانها تدرك خطورة اهمالها كما تعلم ان اعدائها سينفذون من خلال هذهالمطالَب فلا بد من قطع الطريق أمامهم .
النظام الايراني. يمتلك من المرونة ما يجعله يتكيف مع الواقع والمتغيرات في الشارع فقد عودتناالقيادة الإيرانية على برغماتيتها في التعامل مع الأحداث كما حدث في احتجاجات 2009 الى جانبالحزم الكبير لدى السلطات.
وهناك سبب اخر يستبعد سقوط النظام ، ربما يكون خافيا على الكثير وهو يخص نوع المواجهة بينالطرفين .
لن تكون المواجهة بين السلطة والمعترضين بل ستكون بين معترضين ومؤيدين اي بين أفراد الشعبأنفسهم ، وقد ظهر هذا من خلال. خروج المؤيدين للنظام ولقاء قادة الحرس الثوري بمرشدالجمهورية حينما أكدوا له انهم قلقون لقلقه ووعدوه بالحزم والدعم والحفاظ على نظام الجمهوريةالاسلامية .
كل هذه العوامل المتقدمة تستبعد سقوط نظام الجمهورية الاسلامية كما يعتقد البعض .
