محمد الكلابي
هناك خلل يتشكّل بهدوء في طريقة فهمنا للعالم. خلل لا يبدأ بالكذب، ولا ينتهي بالحقيقة، بل يقف في منطقة وسطى مربكة، حيث لا يعود العقل قادراً على أن يقول: هذا حدث، أو هذا لم يحدث. ليس لأن الوقائع اختفت، بل لأن الدليل فقد وزنه.
قبل أسبوع، ظهرت في العراق مقاطع مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي نُسبت إلى شخصيات معروفة، ثم تبيّن زيفها. هذه الواقعة، بعيداً عن ضجيجها، كشفت أمراً أدقّ: الصورة لم تعد ضمانة، والظهور لم يعد كافياً ليحسم العقل موقفه. ما يُرى لم يعد بالضرورة ما كان.
في الفلسفة، طرح برتراند راسل ما عُرف لاحقاً
بـنظرية ” إبريق راسل”. الفكرة في ظاهرها بسيطة: ادّعاء بوجود إبريق صغير يدور في الفضاء، لا يمكن إثباته ولا نفيه. راسل لم يكن معنياً بالإبريق، بل بالمنطق الذي يُدار به العقل. فالادّعاء الذي لا يمكن التحقق منه لا يكتسب قيمة معرفية لمجرد أنه قيل. عبء الإثبات، في أي تفكير سليم، يبقى على من يدّعي.
هذه القاعدة لم تكن تفصيلاً فلسفياً، بل شرطاً أساسياً لاستقرار المعرفة.
ما يحدث اليوم هو أن هذه القاعدة تُفرَّغ من مضمونها بصمت. إبريق راسل لم يعد افتراضاً ذهنياً، بل تحوّل إلى مادة بصرية مكتملة، تُعرض وتُتداول وتترك أثراً فورياً، ثم يُطلب من الإنسان أن يتعامل معها لا بوصفها ادّعاءً، بل بوصفها واقعاً يحتاج إلى نفي. الصورة هنا لا تنتظر البرهان، بل تفرض حضورها، وتدفع العقل إلى موقع الدفاع قبل أن يفهم ما الذي يُدافع عنه.
لسنا أمام كذب واضح، لأن الكذب يمكن كشفه، ولسنا أمام حقيقة مستقرة، لأن الحقيقة تحتاج أرضاً صلبة، بل أمام حالة ثالثة: اللا-إثبات. في هذه الحالة لا يُحسم الأمر، ولا يُغلق، بل يُترك العقل معلّقاً بين احتمالين، دون أداة تحسم، ودون مرجعية تُنهي التردّد.
هذا التعليق المستمر ليس حياداً، بل إنهاك؛ فالعقل الذي لا يحسم لا يصبح أكثر وعياً، بل أقل قدرة.
الشك هنا لا يعمل كأداة تفكير، بل كحالة استنزاف. يشك في كل شيء، لكن بلا اتجاه، وبلا نهاية. ومع الوقت، يفقد القدرة على التمييز، لا لأنه ساذج، بل لأنه متعب.
حين تتكرس هذه الحالة، تبدأ الثوابت بالانسحاب. الصورة لم تعد فاصلة، الصوت لم يعد مطمئناً، الاعتراف لم يعد حاسماً، والدليل نفسه صار موضع ارتياب قبل أن يؤدي وظيفته. عند هذه النقطة، لا ينهار العقل دفعة واحدة، بل يفقد ثقته تدريجياً بقدرته على الفهم والحكم.
الخطر الأكبر يتكوّن في الوعي الذي ينشأ الآن. جيل يعيش في عالم يرى فيه كل شيء قابلاً للتزييف، دون أن يتعلّم كيف يثبت، أو كيف ينفي. وحين نواصل الحديث عن المعرفة كما لو أن أدواتها ما زالت ثابتة، بينما الواقع ينقض هذه الأدوات عملياً، فإننا لا نربّي عقلاً نقدياً، بل عقلاً مرتبكاً. عقل لا يثق بالحقيقة لأنها هشة، ولا يحترم الشك لأنه بلا ضابط.
هذا العقل لا يدخل في مواجهة مع الزيف، بل يتعايش معه. لا يدافع عن حقيقة، ولا يرفض ادّعاء، بل يكتفي بالمشاهدة. هنا لا يُقتل العقل، بل يُفرَّغ. يفقد رغبته في الفهم، وقدرته على الحسم، وشهيته للمعنى.
المفارقة أن الشك، الذي كان يوماً وسيلة لتحرير العقل من الوهم، يتحوّل إلى عبء حين يُفصل عن معاييره. الشك بلا معيار لا يحمي الإنسان، بل يتركه بلا أرض يقف عليها. لا يقوده إلى المعرفة، ولا يسمح له بالراحة.
لسنا أمام أزمة تقنية، بل أمام اختبار وجودي للعقل المعاصر. حين يصبح كل شيء قابلاً للتزييف، وكل دليل قابلاً للطعن، وكل حقيقة قابلة للتشكيك، لا ينهار العقل دفعة واحدة، بل يعتاد التردّد ويتخلّى عن الحسم. والخطر هنا ليس في الخطأ، بل في الاعتياد. عند هذه النقطة، السؤال لم يعد عمّا حدث، بل عمّا يتشكّل فينا: بأي عقل سنحاكم الغد؟
