محمد عبد الجبار الشبوط
منذ إقرار الدستور العراقي بعد عام 2003، بدا ظاهريًا أن البلاد دخلت طورًا جديدًا يقوم على التعدديةالسياسية، والتداول السلمي للسلطة، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات، غير أن المسارالعملي كشف تدريجيًا عن مفارقة خطيرة بين النص الدستوري بوصفه وثيقة ديمقراطية متقدمة نسبيًا،وبين الممارسة السياسية التي حوّلته إلى إطار شكلي فاقد لروحه ومعناه، وهنا تتجلى الخطيئة الكبرىللطبقة السياسية، لا بوصفها إخفاقًا إداريًا عابرًا، بل كفعل منهجي أفرغ الديمقراطية من مضمونهاوحوّلها إلى طقس إجرائي بلا أثر حقيقي.
الدستور، في جوهره، ليس مجموعة مواد قانونية فحسب، بل عقدًا سياسيًا وأخلاقيًا ينظم العلاقة بينالمجتمع والسلطة، ويضع قيودًا على القوة، ويؤسس لمبدأ المواطنة المتساوية، إلا أن الطبقة السياسيةالعراقية تعاملت مع الدستور منذ بداياته باعتباره أداة شرعنة للنفوذ لا مرجعية ضابطة له، فتم تأويلمواده بانتقائية، وتعليق تطبيق بعضها، وتفريغ بعضها الآخر من مقاصده عبر قوانين ثانوية أو أعرافسياسية مناقضة لروحه، وبذلك انتقل الدستور من كونه حَكَمًا فوق السلطة إلى نصٍ خاضع لها.
أخطر مظاهر هذا الإفراغ تمثّل في تحويل مبدأ “حكم الأغلبية” من آلية ديمقراطية لحسم الخياراتالسياسية إلى وسيلة إقصاء واحتكار، حيث لم تُفهم الأغلبية بوصفها أغلبية سياسية متحركة تخضعللمساءلة، بل بوصفها توازن قوى طائفي أو حزبي ثابت، ما أدى إلى تعطيل مبدأ التداول الحقيقيللسلطة، وربط الاستحقاقات الدستورية بمنطق الصفقات لا بمنطق البرامج والإنجاز، فأصبحتالانتخابات لا تُنتج تغييرًا فعليًا بقدر ما تعيد إنتاج الطبقة ذاتها بأشكال مختلفة.
كما ساهمت منظومة المحاصصة في تقويض المضمون الديمقراطي للدستور عبر تفكيك مفهوم الدولةنفسها، إذ جرى التعامل مع المؤسسات الدستورية باعتبارها حصصًا موزعة بين القوى المتنفذة، لافضاءات عامة لخدمة الصالح العام، فتم تحييد مبدأ الكفاءة، وإضعاف استقلال السلطات، وتحويلالرقابة البرلمانية والقضائية إلى أدوات صراع سياسي أو تسويات مغلقة، الأمر الذي أفقد المواطن ثقتهبقدرة الدستور على حمايته أو تمثيله.
وفي السياق ذاته، جرى إفراغ مفهوم “سيادة القانون” من محتواه العملي، حيث أصبحت النصوصالدستورية تُطبَّق بانتقائية صارخة، فالقانون يُفعَّل على الضعفاء ويُعطَّل أمام الأقوياء، والدستور يُستدعىحين يخدم مصالح الكتل الحاكمة ويُهمَل حين يتعارض معها، ما أدى إلى نشوء فجوة عميقة بين الدولةبوصفها نصًا والدولة بوصفها واقعًا، وبين الديمقراطية بوصفها خطابًا والديمقراطية بوصفها ممارسة.
إن خطيئة الطبقة السياسية لا تكمن فقط في سوء الإدارة أو الفساد المالي، بل في هذا التفريغ المنهجيللمحتوى الديمقراطي للدستور، لأن هذه الخطيئة تمس الأساس الرمزي والشرعي للنظام السياسي كله،وتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية تخفي خلفها بنية سلطوية مغلقة، وتفرغ المشاركة الشعبية منمعناها، وتدفع المجتمع إلى الإحباط أو الاحتجاج خارج الأطر الدستورية.
من هنا، فإن أي حديث جاد عن إصلاح سياسي في العراق لا يمكن أن يتجاوز هذه الحقيقة المركزية، وهيأن الأزمة ليست في نقص النصوص أو غموض الدستور، بل في الإرادة السياسية التي عطّلت مقاصده،وفي طبقة حاكمة تعاملت مع الديمقراطية كأداة وصول لا كنظام حكم، ومع الدستور كغنيمة سياسية لاكعقد ملزم، وما لم يُستعاد المعنى الحقيقي للدستور بوصفه مرجعية فوق الجميع، فإن أي إصلاحسيظل جزئيًا، وأي ديمقراطية ستبقى ناقصة، وأي دولة ستظل معلّقة بين الشكل والجوهر.
