بعد 19 عامًا على سقوط النظام أين يقف العراق اليوم  

فاروق الرماحي

بعد سقوط نظام صدام حسين في 9 نيسان/أبريل 2003 دخل العراق مرحلة جديدة تعاقب فيها على رئاسة الجمهورية خمسة رؤساء فيما يقف العراق اليوم بانتظار رئيسه السادس وسط أسئلة ثقيلة عن الماضي الذي ما زال يلقي بظلاله على الحاضر .

صدام حسين لم يصل إلى السلطة بانقلاب كلاسيكي بل عبر صعود تدريجي بدأ بعد انقلاب 17 تموز 1968 حين أصبح نائبًا لرئيس الجمهورية ومسؤولًا فعليًا عن الأجهزة الأمنية.

بين 1969 و 1979 أحكم سيطرته على الأمن والجيش والحزب وأقصى خصومه واحدًا تلو الآخر حتى بات الرجل الأقوى في الدولة قبل أن يتسلم الرئاسة رسميًا في 17 تموز / يوليو 1979.

بعد أيام فقط من تسلمه المنصب في 22 تموز/يوليو 1979 نفّذ صدام واحدة من أكثر عمليات التصفية السياسية دموية في تاريخ العراق الحديث خلال اجتماع دعا اليه قيادة حزب البعث في قاعة الخلد .

جرى اعتقال وإعدام عشرات من رفاقه بتهمة “التآمر” في رسالة واضحة مفادها أن الحكم الجديد لا يقوم على الشراكة بل على الرعب .

منذ تلك اللحظة تحوّل الحزب إلى أداة طاعة مطلقة وتحولت الدولة إلى ملك شخصي للدكتاتور .

في 22 أيلول/سبتمبر 1980. أي بعد أربعة عشر شهرًا فقط من توليه الرئاسة اتخذ صدام قرار شن الحرب على إيران . استمرت الحرب ثماني سنوات حتى آب / اغسطس 1988 وأسفرت عن مئات الآلاف من القتلى والجرحى واستنزاف مالي وبشري هائل وخلق اقتصاد حرب وعسكرة شاملة للمجتمع العراقي .

بعد عامين فقط من انتهاء الحرب وفي 2 آب/أغسطس 1990، أقدم صدام على غزو الكويت .

القرار اتُّخذ في دائرته الضيقة جدًا بعد خمسة أشهر في كانون الثاني/يناير 1991 بدأت حرب “عاصفة الصحراء” وانتهت بهزيمة عسكرية قاسية كانت متوقعة وانسحاب مذلّ أعقبته انتفاضات شعبية في الجنوب والشمال جرى قمعها بعنف بالغ في آذار/مارس 1991.

ابتداءً من آب/أغسطس 1990 فُرض على العراق حصار اقتصادي شامل استمر فعليًا حتى عام 2003 أي نحو ثلاثة عشر عامًا. خلال هذه الفترة انهار الدينار وتفككت الطبقة الوسطى انتشرت المجاعة والأمراض وتحول بلد نفطي غني إلى مجتمع يعتمد على البطاقة التموينية والمساعدات الإنسانية فيما بقي النظام محصنًا ومترفاً على حساب الشعب

في عهده، لم يكن القمع سياسيًا فقط بل ثقافيًا وفكريًا ودينيًا . أُعدم أو صُفّي عدد من رجال الدين، من الشيعة والسنة، أو زُجّوا في السجون وأُجبروا على الصمت، في إطار سياسة تجفيف أي مرجعية مستقلة عن السلطة.

وطالت يد النظام مفكرين كما تعرّض عشرات الأكاديميين والباحثين إلى الإقصاء أو التصفية أو الهجرة القسرية.

أما الوسط الأدبي والفني فلم يكن بمنأى عن البطش فيما عاش شعراء وكتّاب كبار مثل مظفر النواب والجواهري وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وآخرين في المنافي هربًا من القمع أو السجن.

وفي مجال الفنون جرى تكميم الأصوات الحرة وتوظيف الفن للدعاية فيما اختفى أو هُمّش أو هاجر عشرات التشكيليين والمسرحيين والمطربين . بعضهم اعتُقل وبعضهم مُنع من العمل وآخرون ماتوا فقرًا أو قهرًا في مناخ كان الولاء فيه شرط البقاء .

حتى السخرية لم تكن مسموحة. النكتة السياسية عُدّت جريمة أمنية قد تقود إلى السجن أو الإعدام في دولة حكمها الخوف وضُبط فيها المجتمع بالعنف لا بالقانون .

في 20 آذار/مارس 2003 بدأت الحرب الأميركية على العراق وفي 9 نيسان/أبريل من العام نفسه سقطت بغداد. اختفى صدام عن المشهد ثم أُلقي القبض عليه في 13 كانون الأول/ديسمبر 2003. حوكم، وصدر بحقه حكم الإعدام وبعد ثلاث سنوات نُفذ الحكم في 30 كانون الأول/ديسمبر 2006.

المفارقة أن كثيرًا ممن دعموه ماليًا وسياسيًا في الحرب مع إيران أو ساندوه ضمنيًا شاركوا لاحقًا في إسقاط نظامه ثم حاول بعضهم التدخل لإنقاذه من حكم الإعدام .

لم يكن ذلك دفاعًا عن العراق، بل عن نموذج الحاكم الفرد الذي يشبههم.

السؤال اليوم هل العراق أفضل بدون صدام؟

الواقع المعقد يقول إن ما بعد 2003 كشف حجم التشوه الذي راكمه حكمه. الطائفية والمناطقية والعرقية لم تولد بعد سقوطه بل كانت مكبوتة تحت سلطة الخوف وحين سقطت القبضة انفجرت التناقضات .

والتحدي اليوم مع الرئيس السادس ليس فقط اختيار اسم

بل قطع السلسلة التي تربط العراق بالطغيان

وبناء دولة لا تُحكم بالخوف ولا تُدار بالدم ولا تُختصر بشخص .

العراق يستحق أن يُحكم …

لا أن يُؤخذ رهينة مرة أخرى .


مشاركة المقال :