الصبر وما بعده

فلاح الكلابي 

ليست الخسارة دائماً في الشيء الذي يذهب، بل في اللحظة التي يُجبر فيها الإنسان على إعادة تعريف حياته من جديد. هناك خسارات لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تُغيّر الاتجاه، وتُعيد ترتيب الداخل، وتفرض فهماً مختلفاً لمعنى القوة، والاعتماد، والثبات.
في حياتي، خسرت الكثير. لم تكن خسارة واحدة ، بل سلسلة من التحولات القاسية التي مسّت أكثر من جانب، وفي أكثر من وقت. مراحل اختلّ فيها الأمان، وتراجع فيها الإحساس، وتغيّر فيها معنى الاستقرار.
أشياء كان من الطبيعي أن تُعاش بهدوء، وأخرى كان يُفترض أن تكون ثابتة، لكنها غادرت مبكراً. لم يكن الفقد محصوراً في جانب واحد، بل امتد إلى المال، وإلى الإحساس، وإلى العلاقات، وإلى مساحات داخلية لا يراها أحد. كانت هناك سنوات طويلة لم يكن فيها الوعي كاملاً، ولا القلب حاضراً كما ينبغي. فترات يُدار فيها الإنسان بالحياة أكثر مما يُديرها، ويمضي فيها الوقت دون أن يُحسب له حساب. ومع ذلك، لم يكن هذا الفقد ضياعاً.
مع الزمن، اتضح أنه عودة. عودة إلى الله أولاً، ثم إلى فهم أصدق للحياة، وأقل تعلقاً بما يزول. ما يُؤخذ من الإنسان لا يُؤخذ عبثاً، بل بحكمة إلهية قد لا تُفهم وقت الألم، لكنها تصبح واضحة حين يهدأ القلب.
وسط كل هذا التغيّر، بقي شيء واحد لم يسقط: الصبر.
لم يكن الصبر خياراً مثالياً، ولا فضيلة تُقال، بل ضرورة للبقاء. هو ما منع الانكسار، وما حفظ الاتزان، وما أبقى القدرة على الاستمرار حين لم يبقَ شيء آخر يمكن الاعتماد عليه. القرآن وضع قاعدة لا تخطئ حين قال: وبشر الصابرين. هذه ليست عبارة مواساة، بل وعد إلهي له عمق وزمن. الله لا يعوّض الإنسان بمثل ما فقد، بل بأكثر مما فقد. وقد يتأخر هذا العوض، لكنه لا يُلغى، ولا يُنسى. وجاء التعويض…ليس بالطريقة المتوقعة،
ولا مكاسب تُقاس بالأرقام. جاء في صورة أعمق وأبقى.
أبنائي كانوا هذا التعويض.
لم يكونوا مجرد وجود في الحياة، بل نتيجة كاملة لمسار طويل من الصبر والتحمّل. وصلوا إلى مرحلة أفتخر بها.
وعي يظهر في قراراتهم، وإدراك يتجاوز أعمارهم، وعلم يحمل قيمة حقيقية، لا مجرد معلومات. والأهم من كل ذلك: تمسك واضح بالمبادئ، لا يتغير مع الظروف، ولا يهتز أمام المغريات. نجاحهم لم يكن في الشهادات وحدها، بل في طريقة تفكيرهم، وفي قدرتهم على التمييز، وفي اتزانهم أمام الحياة. كانوا الدليل العملي أن ما يُزرع في الخفاء، وبصبر، يُثمر في العلن بكرامة.
فيهم وجدت عوض كل ما فقدته. وبهم أغلق الله صفحات كثيرة دون مرارة. لم يكونوا بديلاً عمّا مضى، بل فضلاً زائداً، ورحمة واضحة، وربحاً لا يقبل المقارنة.
أبنائي كانوا الربح الأكبر. الأرواح التي أنقذت قلبي، وأعادت للحياة معناها، وأثبتت أن وعد الله لا يُخلف.
وفي هذا العام الجديد، لا أطلب من الله أكثر من حفظهم.
أن يكونوا سنداً لي، وسنداً لبعضهم. أن تمتلئ قلوبهم بالعلم والإيمان، وأن يبقوا على ما هم عليه من وعي واستقامة. والحمد لله دائماً… أن التعويض جاء،
وكان أعظم مما توقعت، وكان في حياتي.


مشاركة المقال :