الانهيار

محمد الكلابي

أخطر أشكال السقوط هو السقوط الذي لا يُسقط شيئاً. في الحضارات القديمة كان الانهيار: مدينة تُهدم، سلطة تزول، موارد تنفد، ويعرف الناس – ولو متأخرين – أن دورة تاريخية قد أُغلقت. أما في الحضارة الرقمية فالانهيار لا يحتاج إلى أنقاض، لأنه لا يوقف النظام، بل يجعله أكثر انشغالاً. يستمر في العمل وهو يتآكل، ينتج ويبيع ويقيس خسائره لحظةً بلحظة، ثم يمضي، كأن الخراب وظيفةٌ داخلية لا طارئاً يستدعي القلق. هذا هو السقوط بلا أنقاض: انهيار لا يُعلن نفسه نهاية، بل يتحول إلى شكلٍ مستقر من الحياة.

في كتابه ” الانهيار”، يبيّن الأمريكي جاريد دايموند كيف سقطت مجتمعات كاملة حين استنزفت مواردها، أو عجزت عن التكيّف مع التحولات، أو تجاهلت إشارات الخطر حتى أصبح الانهيار حتمياً. غير أن إسقاط هذا النموذج على العالم الرقمي كما هو يمنحنا استعارة مريحة أكثر مما يمنحنا فهماً دقيقاً. فدايموند يفترض أن الخطر يأتي من العجز عن التكيّف، بينما الخطر هنا يأتي من الكفاءة نفسها. الحضارات التي درسها كانت تملك جغرافيا تُغلق، وموارد تنفد، وزمناً بطيئاً يسمح بالإنذار ومركز قرار يمكن أن يخطئ أو يصيب. أما العالم الرقمي فبلا حدود، وموارده ليست ندرة بل تضخماً خانقاً، وزمنه فوري يسبق الفهم، وقراره موزّع بين خوارزميات وأسواق وتسارع جماهيري بلا وجه واحد.

المفارقة الحاسمة أن الحضارات القديمة انهارت لأنها لم تكن تعرف أنها تنهار. كانت تعيش داخل الوهم حتى اللحظة الأخيرة. أما الحضارة الرقمية فتنهار وهي تعرف. تعرف، وتقيس، وتوثّق، وتحول الانهيار إلى بيانات ومؤشرات وتقارير، ثم تتعايش معه. هنا لا يعود الوعي شرطاً للنجاة بالضرورة؛ قد يتحول إلى جزء من آلية التبلّد. نعرف أننا نتآكل، نحسب هذا التآكل بدقة، ثم نواصل، كأن المعرفة نفسها صارت بديلاً عن التوقف.

لهذا يفقد سؤال “هل نحن في سقوط رقمي؟” جدواه، ويحلّ محلّه سؤال أكثر إرباكاً: ماذا يحدث حين لا يؤدّي الانهيار إلى السقوط؟ حين يصبح الانهيار حالة قابلة للعيش، بل قابلة للتنظيم؟

عند هذه النقطة ينقلب منطق التكيّف الذي افترضه دايموند فضيلة تاريخية. فالحضارة الرقمية لا تنهار لأنها فشلت في التكيّف، بل لأنها تكيفت أكثر مما ينبغي تكيفت مع التفاهة حتى صارت معياراً، ومع السرعة حتى فقد الإنسان حق التمهل، ومع الاستهلاك حتى أُعيد تعريف الذات كمستخدم دائم، لا ككائن يختار.

وفي هذا التكيّف الزائد يظهر الاستنزاف الحقيقي: ليس استنزاف الموارد ولا الأخلاق فقط، بل استنزاف القدرة على التوقف. نحن لا نُرهَق لأننا نستهلك كثيراً، بل لأننا لا نستطيع ألا نستهلك.

التلوث الرقمي لا يملأ الفضاء بالضجيج فحسب، بل يحتل شروط التفكير نفسها، يفسد معيار التمييز، ويحول الإنسان إلى متلقٍ بلا ذاكرة، يرى كثيراً ويفهم قليلاً وينسى بسرعة.

وعند الذروة يُعاد تعريف الإنسان نفسه بوصفه محتوى. تُقاس قيمته بما يُعرض منه ويُستهلك، لا بما يعيشه في داخله. يفقد حقه في أن يكون غير قابل للاستهلاك، غير متاح دائماً، غير محسوبٍ بالكامل. هنا يبلغ السقوط ذروته: ليس حين ينهار النظام، بل حين يعمل بكفاءة وهو يفرغ الإنسان من معناه.

المخيف ليس أن تنهار الحضارات؛ ذلك حدث مراراً في التاريخ. المخيف أن تتعلّم كيف تعمل وهي منهارة، ثم تقنع سكانها أن هذا الشكل من العيش هو الطبيعي، وأن السقوط بلا أنقاض ليس سقوطاً، بل استقراراً.

 


مشاركة المقال :