نصير الزيدي
لطالما واجه الإنسان في حياته اليومية أخطاءً متفاوتة؛ منها ما يحدث عمدًا، ومنها ما يقع سهوًا، وربما بقصد أو من دون قصد. ومع ذلك تبقى الأخطاء جزءًا من العمل البشري، وواقعًا لا يمكن إنكاره، رغم ما تسبّبه من إزعاج وضجر. فهي في نهاية المطاف “فريضة” لا بد من تقبّلها ما دمنا نتعامل مع جهود بشرية غير معصومة.
في لعبة كرة القدم تبرز معضلة معروفة ومتجذّرة اسمها أخطاء الحكّام. فقرار واحد قد يغيّر مسار مباراة كاملة، لا بل قد يبدل اتجاه بطولة بأكملها، ويتسبّب بإقالة مدربين، والاستغناء عن لاعبين، وقد يصل تأثيره إلى حد استقالة إدارات أندية تحت ضغط الجماهير والإعلام.
وفي دورينا المحلي، تكاد الأخطاء التحكيمية تكون سنة سنوية؛ ففي كل جولة نسمع ضجيجًا جديدًا حول قرار مثير للجدل، وتبدأ البرامج الرياضية بسلسلة من التأويلات، ليتصدّر المشهد “طارئون على التحليل” يتحدثون خارج إطار التخصّص والمهنية.
أما في الدوريات الأوروبية والعالمية الكبرى، ورغم دخول تقنية الفيديو (VAR) الخدمة منذ أكثر من ست سنوات، فإن الهفوات ما تزال حاضرة، وكأننا لم نغادر زمن ما قبل التقنية. فالحكم مطالب باتخاذ قراره خلال أجزاء من الثانية، في لعبة تتسارع فيها الأحداث بشكل لم يسبق له مثيل، ومع لاعبين باتت سرعتهم ومهاراتهم تفوق القدرة البشرية التقليدية على المتابعة.
إذن ما الحل؟ وكيف يمكن الحدّ من هذه الأخطاء؟
الحقيقة أن المنظومة الكروية — جمهورًا وإعلامًا ومشجعين — مطالبة أولًا بتقبّل ما يصدر عن الحكم، فهو القاضي الأول والأخير داخل المستطيل الأخضر، وبدونه لن نشاهد مباراة ولا بطولة. كما يجب أن ندرك أن مرتدي القميص الأصفر هو إنسان قبل كل شيء؛ يصيب في مواقف ويخطئ في أخرى، مهما بلغت خبرته أو دعمتْه التقنيات الحديثة
وعليه، ينبغي أن نؤمن بأن الأخطاء التحكيمية ظاهرة طبيعية عالميًا، وليست حكرًا على دورينا المحلي. فاللعبة نفسها قائمة على الاجتهاد، والقرار اللحظي، ومساحة التقدير… وهذه كلها مساحات يمرّ عبرها الخطأ كما يمرّ الصواب.
ستبقى أخطاء الحكّام جزءًا من كرة القدم، لا يمكن القضاء عليها بالكامل، بل يمكن فقط تقليلها وتطوير طرق التعامل معها. وما علينا إلا أن نُحسّن ثقافة التقبّل، وأن نترك مساحة أكبر للوعي بدل الضجيج.
