حارث أحمد جابر
من السليمانية، تلك المدينة التي تنام على القصيدة وتستيقظ على الوعي، يخرج صوتٌ يشبه اندفاع نهرٍ من جبال كوردستان، صوتٌ لا يكتفي بوصف مباراةٍ، بل يعيد تشكيل معنى الانتماء كلما ارتفع فوق مدرجٍ أو تسلّل من مكبّرِ صوتٍ. إنه بيستون تاوگوزي، المعلّق الذي حوّل التعليق الرياضي إلى مساحة وطنية واسعة، يدخلها العراق كلّه دون استئذان. من يسمعه لا يسمع رجلاً يصف كرةً، بل يسمع وطناً يستعيد نفسه لحظةً بلحظة، وكأن كل كلمةٍ ينطقها تأتي من منطقةٍ أعمق من الحنجرة: من القلب مباشرةً.
في نبرة بيستون شيءٌ من صلابة الجبال التي تحرس السليمانية، وشيءٌ من دفء أهلها، وشيءٌ من ذلك الكبرياء الكوردي الذي يظل واقفاً مهما عصفت به الأيام. صوته يمزج بين الشعر والروح، بين الوطنية والكرامة، حتى صار لا يصف المباراة بقدر ما يكتبها على الهواء، كأنها فصلٌ من كتاب العراق.
يقول بيستون، بصراحةٍ لا تحتمل المواربة، إن رسالته الأولى والأخيرة هي العراق: “رسالتي الدائمة في التعليق أن العراق واحد، لا يقبل القسمة. الرياضة والإعلام الرياضي لهما دور كبير في تعزيز هذه الوحدة بين العرب والكورد وبقية المكونات، لذلك أرفض الكراهية والطائفية والعنصرية، وأؤكد أن الملعب هو المكان الذي يجمعنا جميعاً.”
هذا ليس موقفاً إنشائياً. هذا موقف رجلٍ يعرف أنه حين يتكلم في الدقيقة 90، هناك وطنٌ بأكمله يستمع.
وعندما يتحدث عن طلابه، تكشف كلماته شيئاً من روحه الإنسانية: “أنا بالنسبة لهم لست مجرد أستاذ، بل صديق. ظهوري كمعلقٍ رياضي عزز ثقتهم بي داخل الصف وخارجه، وهم يفتخرون بي ويكتبون دائمًا تعليقاتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يسعدني كثيراً.”
هكذا يُبنى الاحترام: لا بتعليم اللغة وحدها، بل بتعليم معنى الحضور.
ثم يأتي الحديث الذي يلمع فيه صوت بيستون أكثر من أي وقتٍ آخر: لحظة الشعر. لحظة أن يصبح الهدف قصيدةً، والفرح بيتاً موزوناً.
بعد هدف أمير العماري أمام الإمارات، خرج الشعر من فمه كما تخرج الصرخة من جسدٍ امتلأ بالعاطفة حدّ الفيض:
“كنت دائماً أبحث عن كلماتٍ توحّد البلاد، وأردد أنه لا فرق بين عربيٍ وأعجميٍ كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وعندما جاء هدف الفوز، خرج الشعر مني ارتجالاً، وكأن العراق كله ينطق على لساني.”
ثم جاءت القصيدة — بقلم خطاب الموصلي — كأنها سوطٌ يجلد الطائفية، ويرفع العراق إلى مقامه الحقيقي:
أنا العراقُ عَرينُ الأُسودِ زهرَتُهُ
مَن يوقِفُ الشعبَ إذا قد مسَّهُ الضَّرَرُ
يَسري العراقُ أبيًّا بينَ أوردتي
وفي الفؤادِ براكينٌ ستنفجرُ
الشعبُ زَئيرٌ، هذا صوتُهُ يُرعِبُهم
نحنُ الرُّعودُ، ونحنُ الغَيمُ والمطرُ
والطائفيةُ قد خابتْ وقد خسرتْ
كُرديٌّ وسُنِّيٌّ وشيعيٌّ نفتخرُ
نحنُ الذينَ قَسَمنا كلَّ طاغيةٍ
مَن كانَ أو في خدِّهِ السَّهَرُ
سنُلهِبُ الكونَ، كلَّ الكونِ ملحمةً
هنا الأسودُ بساحاتِ الوغى ساروا
دِماؤُنا سُفِكَتْ، أموالُنا نُهِبَتْ
حقوقُنا عُدِمَتْ، والقلبُ يستعِرُ
اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ
يا عراقُ…
پيروزه پيروزه بو عيراق
ويقول بيستون عن تأثير تلك اللحظة: “بعد المباراة، حين رأيت العرب والكورد والتركمان والشيعة والسنة يتفاعلون مع القصيدة، شعرت أنني بطل قومي، وفرحت جدًا لأنني أسعى لتوحيد البلاد.”
إنه يعرف أن الكلمة — حين تكون صادقة — تفعل ما لا تفعله ألف خطبةٍ سياسية.
أما عن الضغوط، فلا يبالغ ولا يتهرب: “نعم، هناك ضغوطٌ وانتقاداتٌ من الطائفيين، لكن إيماني بالله يمنحني القوة. أنا عاطفي جداً مع منتخبنا الوطني، وأعتبر نفسي جزءاً من صوته. سأبقى أعمل على وحدة العراق من زاخو إلى الفاو.”
هذا صوت رجلٍ لم يختر الوسطية، بل اختار المبدأ.
ويكشف عن جانبٍ من بنيته المهنية فيقول: “أنا مدرس لغةٍ إنكليزية وحاصل على ثلاث شهادات، وأتحدث بطلاقةٍ بالعربية والفارسية والكوردية سورانية، وحتى لهجاتٍ أخرى. المعلق الذي يمتلك لغاتٍ متعددة يكون أقوى، لأن اللغة سلاح، وأنا أستخدمها لأمزج بين الشعر والروح الوطنية، وهذا ما يميز أسلوبي.”
هنا تبدو اللغات كأنها جناحان يرفرف بهما فوق الملعب.
وعن المواجهة المقبلة في الملحق العالمي، يقدّم قراءةً واثقة:
“علينا أولًا أن ننتظر مَن سيفوز من لقاء بوليفيا وسورينام، لأن العراق سيواجه الفائز منهما. منتخب سورينام يُلقّب بالمنتخب الهولندي الثاني لقوة دفاعه، أما بوليفيا فهو فريقٌ عادي أمام منتخبنا الوطني رغم استفادته من اللعب داخل أرضه بسبب طبيعة الملعب وارتفاعه عن سطح البحر. لذلك أنا لا أخاف من بوليفيا، وأثق أن منتخبنا قادر على الفوز والتأهل. ما يحتاجه العراق فقط هو الشجاعة وثقافة الفوز، وعدم المبالغة في تقدير الخصم.”
هذا صوت الخبير، لا صوت المصفّق.
ويتحدث عن العروض التي وصلته: “تلقيت عروضا كثيرةً من قنواتٍ عربية وخليجية وعراقية، لكن شرطي أن أعلّق بالكوردية أو بالمزج بين العربية والكوردية. الأكراد شعبٌ يعشق كرة القدم بلغته الأم، وأنا الآن مرتبط بعقدٍ مع شبكة NRT.”
الولاء هنا واضح: للغة، للشعب، للهوية.
ثم يوجّه رسالته بالكوردية قبل العربية، وكأنه يعيد ترتيب جغرافيا الحب داخل قلبه:
بەڵێ، پەیامی من بە هەموو کات لە لێدواندا ئەوەیە کە ئێمە هەموومان هاوبەشین لە عێراق و پێویستە دووری لە کینە، تایفەیی و نەتەوەپەروەری بگرین، چونكە وەرزش و لێدوانی وەرزشی و میدیای وەرزشی ڕۆڵی گەورەیان هەیە لە پەرەپێدانی یەكگرتوویی نێوان عەرەب و كورد و گرووپەكانی تر.
وترجمتها:
“رسالتي أن نبقى جميعاً موحدين في العراق، بعيداً عن الكراهية والطائفية، لأن الرياضة والإعلام الرياضي لهما دور كبير في تعزيز الوحدة بين العرب والكورد وبقية المكونات.”
وهكذا ينتهي الحديث كما بدأ: بصوتٍ أكبر من الصوت، بصوتٍ يشبه جسراً يمتد من السليمانية إلى بغداد، ومن زاخو إلى الفاو، صوتٍ لا يصف مباراةً، بل يذكّرنا أن العراق — إن أراد — يمكنه أن يتكلم بلغةٍ واحدة مهما تكاثرت لغاته.
بيستون تاوگوزي… ليس معلّقاً فقط، بل شاهدٌ على أن الوطن يمكن أن يرتفع أحياناً من حنجرةٍ واحدة.
