قصص تشبه الأساطير
القسم الأول ــ
( 1 ) المطرب عبد محمد (وردة الحرب و دمع العيون)
1981
سيق ناظم حبتر دواش من سكنة قطاع 11 مدينة الثورة الى خدمة الاحتياط كونه من مواليد عام 1953 ، ولكن بعد أن قضى أسبوعين في سجن مديرية أمن المدينة؛ لأنه حين كان جالساً في مقهى على ناصية رصيف في سوق العورة، سمع من المذياع نبأ استدعاءمواليده الى الخدمة الاحتياطية فعلّق على ذلك بقوله:هيا مناتيف من كاكه برزان الى حجي موحان.
كان أحد المخبرين حاضراً وأراد في تقريره الى مديرية الأمن أن يعرفوا منه ماذا يعني بالحاج موحان؟
أمام المحقق أقسم لهم بألف إمام معصوم إنّه يقصد أبازوجته الحاج موحان، وهو على خصام دائم معه، وقال: إنه سيفرح حين أساق جندياً، أما كاكا برزان فأنتم تعرفونه، هو الملّا مصطفى حيث خدم الإلزامية جندياًفي منطقة سبيلك في أربيل.
لم يصدق الضابط القصة، وأبقوه رهين الدونكيات والدفرات، ولم يشفع له أنه كان يجيد تقليد صوت المطرب عبد محمد وأنه مولع بأغنيته الشهيرة (وردة اسكيتها من دمع العيون). كان السجانون والموقوفون يسمعونه وهو يدندنها آخر الليل، و كان يعزي نفسه بالقول: دونكي المفوض ريسان ولا مدافع عبادان.
بعد أسابيع أرادت المديرية إقامة حفل فني بمناسبة دخول الجيش العراقي الى (المحمرة)، فاقترح ريسان على ضابط الإعلام في الدائرة أن يأتوا بالموقوف ناظم حبتر ليُطربهم بصوت عبد محمد وأغنيته عن الوردة.
اشتروا له دشداشة جديدة وعقال ويشماغ وحذاء، وأعطوه فرصة ثلاث ساعاتٍ ليتدرّب مع فرقة موسيقية أتوا بها، ثم صعد المسرح وغنّى وكأنه عبد محمد بالضبط.
ضحك المدير، وسأل إن كان هذا المطرب من الإذاعةوالتلفزيون، فردّ عليه الضابط المحقق: لا، سيدي أحضرناه من التوقيف، وشرح قصته للمدير.
ضحك المدير وقال: يابه هذا يمكن يقصد أبو زوجته، أطلقوا سراحه.
وهكذا بفضل عبد محمد وأغنيته (وردة اسكيتها من دمع العيون) أُطلق سراح ناظم حبتر، ولكنّهم لم يدَعوه يذهب الى بيته بل أخذه مأمور من مديرية الأمن الىتجنيد الثورة الأولى ليتم سوقه الى خدمة الاحتياط، فسيق الى سرية مغاوير الفرقة الثانية التي دخلت مدينة مهران الإيرانية قبل أسبوعين.
بقي ناظم أثناء خدمته يراوح بين الدوام في سريته وبين الهروب والعودة كلما أُعلن العفو، وقد أطلق عليه الجنود لقب “أبو وردة”، لأنه أشاع بهجة صوت عبد محمد بين الجنود، وعندما يهرب كان الحنين الى الوردة وعذوبة صوته يشمل حتى الضباط.
في آخر عفو جيء بآمر فوج من أهل الثورة يُدعى المقدم رحيم صامد الساعدي، وقد أخبروه بقصة ناظم وسحر صوته وأنه أكثر المجندين هروباً وعودة، فأشفق عليه وقرر إعادته الى حظيرة المتروكين في مقر السرية في معسكر خالد في كركوك، وقال: مادامت كل حياته أغنيةعن الوردة، فلنجعله متروكاً هناك يعتني بحديقة مقر السرية.
سكن الفرح قلب ناظم حبتر، وعادت إليه نشوة أغنيةعبد محمد التي أحبها حتى الجنود التركمان المتروكين في مقرات وحدات الفرقة في معسكر خالد.
ذات مساء كان ناظم منسجماً في شدو أغنيته المفضلة وفجأة أتته في الرأس رصاصة طائشة وغير مقصودة من بندقية جندي معه في ذات السريّة كان ينظفها غير بعيد عنه.
وعندما حملوه الى مشفى كركوك العسكري كان قد توفي. وقبل أن يُحمل الى النعش قفز أحد رفاقه من جنود سريته ودس في يده وردة بيضاء.
انتبه الطبيب الذي سيوقّع شهادة تسفيره الى أهلهوسأل الجندي لماذا فعلت ذلك؟
رد الجندي ودمعته تهطل على خده قائلاً: إنها واحدة من أجمل أغانيه وأمانيه.
ثم أعطى الى السائق شريط كاسيت فيه أغنية عبد محمد عن الوردة ودمع العيون وهمس له: أرجوك شغّل هذا الشريط طوال الطريق، ناظم الذي في النعش فوق رأسك كان مغرماً بها وعليك أن تؤنسه في الطريق الطويل الى بيته.
( 2 ) الجوادر والشظية وكليوباترا
( . ) كليوباترا في الأول المتوسط
أيام كانت كليوباترا طالبة في الأول المتوسط في إحدىمدارس الجوادر في مدينة الثورة، كانت زميلاتها من طالبات صفها يضحكن ويتهامسن وينظرن إليها نظرات لا يعرف معناها الفطري سوى الهواجس التي جعلتها تقلق من هذا الاسم، وبدا الاسم بالنسبة إليها مزعجاً، حين كانت مدرِّسة اللغة العربية تنادي عليها وهي تعيد دفاتر الإنشاء الى طالباتها بعد تصحيحها، (كليوباترا فنجان مهاوش)، وكانت تتساءل بعيون ضاحكة وترمق خجل كليوباترا وهي تنهض وسط ابتسامات زميلاتها المخفيّة خلف ملامحهن البريئة وأسئلتهن: لماذا اسمها لا يشبه أسماءنا؟
الأب رفض تغيير اسم ابنته، وكان يجيبها بما لا تفهمه:أنت صورة لإليزابيث تايلور التي أتمنى لها قيصراًيليق بها.
تردّ أمها الريفيّة: لا أعرف ماذا تقول وتقصد، ولكنك ستدمّر حياة البنت بهذا الاسم!
يرد فنجان: كيف تتذمّر والناس في المقهى ينادونني (أبوكليوباترا)، ولا ينادونني باسمي البائس(فنجان)الذي لصقه والدي بي. وما هو إلا آنية من خزف يُقرأفيها البخت وتُصبُّ فيه القهوة في المآتم والمقاهي.
أما كليوباترا فهو الجمال الذي يشغل العالم القديم والحديث.
ولأن كليوباترا مازالت صبية، لم تشعر بهواجس الأب إلا عندما جاءت إليهم ذات يوم مشرفة اختصاص الاجتماعيات وانتبهت الى وجه البنت وقالت باستغراب: هذه البنت تشبه الممثلة الانكليزية إليزابيث تايلور، ما اسمك يا حلوة؟
ردت: كليوباترا.
ــ يا إلهي اسم على مسمى، هل تعلمين أن تايلور هي من جسدت شخصية كليوباترا أمام زوجها ريتشارد بريتون الذي لعب دور القيصر؟
قالت الصبية: أبي يقول كلامك نفسه.
إذن أبوك مثقف سينما وقد لحظ ذلك الشبه فأطلق عليك اسم كليوباترا، وحسناً فعل، تخيلي الأمر، قالت المشرفة للمدرِّسة المنذهلة من طبيعة الحوار بين المشرفة والطالبة: ملكة مصر الساحرة الجمال عادت الى الحياة لتعيش في مدرسة بشارع الجوادر في مدينة الثورة.
حكّت المدرسة رأسها مستغربة وهي تقول لنفسها: ربما هذه المشرفة عندها خيط مقطوع في عقلها.
نظرت المشرفة الى ابتسامة المدرِّسة وعرفت إحساسهافقالت لها: ربما لم تدخلي سينما في حياتك؟
ردت المدرسة بالقول: ولن أدخل.
قالت المشرفة: لهذا أنت لا تعرفين كليوباترا وإليزابيث تايلور.
أجابت المدرِّسة بشيء من الاستهزاء والمرح: كليوباترا أعرفها، تلك الطالبة ابنة فنجان أما إليزابيث تايلور فاعذريني لا أعرفها.
( . ) كليوباترا في الجامعة
كبرت كليوباترا ودخلت الجامعة في كلية الآداب ــ قسم اللغة انكليزية، وأصبح جمالها مضرباً للأمثال، تعجّب زملاؤها الطلاب الذين ولدوا في مناطق زيونة والمنصور والجادرية، كيف لمدينة فقيرة مثل مدينة الثورة أن تجنب فتاة تشبه في كثير من محاسنها إليزابيث تايلور التي كانت الأقرب شبهاً لملامح الملكة المصرية، ولهذا تقدم لها أكثر من طالب في السنة الأخيرة من الكلية، ولكنها رضيت بطالب فقير معها في القسم من أهاليالزعفرانية اسمه قيصر، فقال الطلبة الأغنياء: شبيه الشيء منجذب إليه، وقال البعض ربما لأن اسمه قيصر أرادته كليوباترا، لكنّها ردّت عليهم: إن قلبها من أرادوليس اسمها.
(. ) قيصر جندي في الحرب
تزوجت كليوباترا من قيصر، وزُفت برتل من عجلات الفولفو الخشبية القديمة من الجوادر حتى الزعفرانية، وعاشت مع قيصر سعيدة حيث تعيّنت مدرِّسة لغة إنكليزية في إعدادية الزعفرانية للبنات، فيما ذهب قيصر ليؤدي الخدمة الإلزامية جندياً في قاطع بحيرة الأسماك في البصرة يوم بدأت الحرب مع إيران.
ذات صباح بارد طرق الباب جندي برتبة نائب عريف، خرجت له كليوباترا، ليخبرها بعين دامعة أن زوجها قيصر موجود على نعش فوق السيارة وقد مزّقت خاصرته شظيّة مدفع إيراني.
أجابته بضحكة هستيريّة: لا أصدقك، أعد الجثمان الىأهله الحقيقيين، فقيصر الذي أمتلكه والذي هو زوجي إذا أراد أن يموت فإنه يموت بطعنة من خنجر بروتس في خاصرته، وليس بشظية مدفع إيراني.
( 3 ) أشلاء محترقة تتزوج في ساحة مظفر
يقولون إن الساحات في المدن هي نقطة التفكير بحلم الشوارع حيث تتفرع الى جهات أربع وتمشي مع ظلال البيوت لتشكل خطاً طولياً من الأزقة والذكريات وأعمدة مصابيح الكهرباء.
إنها جدلية الأمكنة، والساحات في الغرب أكثر قدسية من الحدائق، لأن أغلبها يقترن بأسماء القديسين، ساحة لبطرس في روما، وساحة ليوحنا في بروكسل وساحة للعذراء ماريا في مدريد.
الساحات في الشرق أغلب أسمائها ترتبط بقبعات الجنرالات وصولجانات الملوك ومواعيد ثورات ربيع عربي ابتدأ فينا منذ ثورة الحسين ومروراً بالقرامطة والزنج وانتهاءً بدراما قتل القذافي بطريقة بدائية.
وحتماً لا تولد الأمكنة إلا مع قصة تحفز فيها النشوء، ومرات تكون قصة باهتة أو مفردة يطلقها صاحب عربة حصان يكفي لتلتصق في المكان وتصبح تأريخاً،وبعضها يكون غرائبياً في المسمى، كأن تكون يافطة طبيب سبباً في تسمية مكان تأتي إليه سيارة مفخخة وتفجره وتقتل الناس كما في ساحة مظفر التي تقع في مدينة الثورة والتي يُقال إنها سُميت بهذا الاسم لأن طبيباً يحمل الاسم نفسه فتح فيها عيادته، والاسم نفسه أيضاً، يأتي عريضاً في مانشيت لصحيفة الواشنطن بوست حين تأتي سيارة ملغومة يقودها انتحاري وتتفجر في تلك الساحة ويُقتل العشرات.
وفي أكثر من انفجار يجد الطبيب الخفر في طوارئ مستشفى الثورة أن بين كل خمسة من الضحايا الذكور واحداً اسمه مظفر.
سجل تلك الملاحظة وذهب الى مرجعه الذي يستكين إليه في صلاته ليسأله عن السبب، فأجابه: لأن الله مع الظافرين، وهؤلاء ظافرون لأن أسماءهم اختارت مكاناًلارتقائهم، ينطبق هذا على ما هو مكتوب في هويّة الأحوال المدنية.
أُمُّ واحدٍ من شهداء الساحة واسمها صبيحة ناطور فشاخ، تولُد ناحية الميمونة في أهوار ميسان، أتت مع والدها ناطور فشاخ وهي بعمر الخمسة عشر عاماً،وتزوجت من جارها الذي أحبها، حداد الأبوابوالشبابيك فريحان مزعل ريحان، وأنجبت له مظفراً الذي انتهى به قدره ليفتح محل حلاقة في الساحة، وهو الآنجثة محترقة جرّاء انفجار السيارة المفخّخة.
أتت الأم لتجمع أشلاء ولدها المحترق، وفي لوعة الصراخ والنحيب، التفتت لتشاهد يافطة الطبيب مظفر، فصاحت في وجوه المسعفين والبشر المتجمهرين:
ــ الآن الساحة باسم ولدي مظفر فريحان.
بقربها كان هناك أبٌ يفتش عن بقايا لجسد ابنته نديمة التي كانت تبيع ورق المناديل، جاوبها بنحيب وصوت مدمّر: إن لم أجد جسد ابنتي، تكون هي صاحبة الحق بأن تحمل اسم الساحة،لأن أشلاءها بقيت هنا ولم أعثر عليها، وسيظل قبرها شاهد عيان.
صحفي واسمه (قيس عبد السادة السوداني) سجل المشهدين بين والد نديمة وأم مظفر.
وحين عاد الى البيت كتب ريبورتاجاً عن تلك المأساة لينشره ويحصل بالتالي على هويّة نقابة الصحفيين،بعد أن عجز عن الحصول عليها بحجّة أن مواده المنشورة قليلة ولا تؤهله لنيل الهويّة، وتحدث بينه وبين نفسه: حين أنشر هذا المقال سيمنحني نقيب الصحفيين الهوية.
في الريبورتاج الصحفي، تخيل قيس أن مظفر فضّالنزاع بين أمّه والرجل حول تغيير اسم الساحة بقوله:
إن روح مظفر طلبت إبقاء بعضاً من أشلائها المحترقة في الساحة، ومتى وجودوا أشلاء نديمة، سيذهبان سويّة الى مقبرة وادي السلام في النجف، وفي الطريق سيطلب يدها للزواج.
هناك في الجنة سيشتريان الموبيليا، وستفصّل نديمة فستان العرس عند خياطة من خياطات الجنة، وهو سيخيط له خياط الجنة الرجالي بدلة موردن.
افترض الصحفي في ريبورتاجه أن الأم صبيحة وافقت على طلب ابنها، ولم تجمع الأشلاء المحترقة كلّها بل أبقت أصابعه على حافة الرصيف، فحين يهدأ المكان في الساحة وتنسحب دوريات الشرطة ورجال الدفاع المدني، سوف تتحرك أصابع ولدها وتتلمس الإسفلت وتدور حول الساحة وتبحث عن أجزاء من جسد الفتاة التي يتمنى أن يذهب معها الى الجنة كعروسين.
الساعة الثانية عشر ليلاً أقفلت كل محلات ساحة مظفر أبوابها، وانقطعت العجلات من الشارع، وفجأة تحركت أصابع مظفر صوب مكان الانفجار لتبحث وبهدوء عن شيء من نديمة، فلم يجد سوى شظايا حديد حادّة بدأت تجرح أصابعه المحترقة، شعر بالألم، لكنه أصرّ على السير والدوران حول مكان الانفجار، وفجأة شعر بدفء قطعة من جسد استقرت بين أصابعه، تحسسها جيداً، وجدها دافئة وتمتلك نبضاً خافتاً وكأنّ لها قلباًونظرات، فعرف أنها قطعة من أجفان بشرية.
سأله: أنت عائد لمن أيها الجفن؟
قال الجفن: لبنت تبيع المناديل اسمها نديمة.
قالت الأصابع: وأنا أصابع مظفر الحلاق، من أقسم أن يفتش عنكِ ويجدك.
قالت نديمة: نعم أعرفك. أنت من ينظر إليَ بإعجاب دائماًمن واجهة محله كل يوم.
قالت الأصابع: ومازالت. وسأقول لك، سفرنا الى الجنة صار مشتركاً، هل تقبلين بي زوجاً؟
قالت: أقبل ولكن على أبي أن يعرف ويوافق.
قالت الأصابع: هو يعرف وقد قبل بزواجي بك سلفاً.
ضوء خجول هطل من جفن الفتاة وهو يقول: إذن على بركة الله
وجد الريبورتاج صداه بعد أن نشره الصحفي قيس السوداني في صحيفة اسمها المواطن. ومثل قيصر منتصر حمل الجريدة الى نقابة الصحفيين وجدد طلبه للحصول على الهويّة.
بعد شهر من الانتظار جاءه الرد على شكل هامش: هذا الريبورتاج لا يكفي للحصول على الهوية.
