فلاح الكلابي
الفن ليس ترفيهاً، بل وعياً يُنير العقول ويهذب الذوق ويحرّر الإنسان من القبح والعادة.
ومن خلاله يمكن أن تُطرح أعمق قضايا المجتمع: الفساد، العدالة، التعليم، اللغة، وحقوق الإنسان.
فالفن هو المدرسة التي لا جدران لها، والضمير الذي لا يخاف من قول الحقيقة.
لهذا، حين يُهاجم نقيب الفنانين الدكتور جبار جودي لأنه قال إن ( اللجنة الثقافية في البرلمان لا تضم مثقفين) فالأمر لا يتعلق بتصريح غاضب، بل بموقف كاشف من الذي يملك حق الحديث باسم الثقافة، من يعيشها أم من يجلس فوقها؟
إنها ربما المرة الأولى التي يسمع فيها العراقيون فعلاً بوجود لجنة ثقافية في البرلمان.
سؤال بسيط: أين كانت هذه اللجنة طوال السنوات الماضية؟
أين كانت حين تحول الذوق العام إلى فوضى استهلاكية؟ حين صار الفن يُعامل كترف لا كقيمة؟ حين هُوجم المبدعون لأنهم فكروا خارج القطيع؟
هل قدمت اللجنة مشروعاً واحداً يرعى الفن الحقيقي؟
هل منحت مساحة للفنانين الشباب أو وقفت مع مؤسسات الثقافة المنهكة؟
بماذا أسهمت غير البيانات الإنشائية التي لا يعرفها أحد؟
إن من يدعي الثقافة وهو لم يعشها يشبه من يقرأ قاموساً ليكتب قصيدة.
ولهذا حين ينتقدهم من هو أعمق وعياً وأقرب إلى نبض المبدعين، يُعاقب لا لأنه أخطأ، بل لأنه أصاب.
الفن في جوهره ليس ترفاً للذوق، بل اختبار للوعي الجمعي.
إنه الميزان الذي نزن به حضارتنا دون أن نشعر.
حين يضيق صدر البرلمان بفنان، فالمشكلة ليست في الفنان بل في البرلمان الذي فقد حسه الجمالي.
لأن من لا يملك ذائقة، لا يمكنه أن يحكم على الإبداع، كما لا يمكن للأصم أن يقود أوركسترا.
الفن لا يُقاس بالقوانين، بل بالقدرة على إيقاظ الإنسان فينا.
ومن يخاصم الفن، إنما يخاصم الجزء الأرقى في نفسه.
مطالبة اللجنة بإقالة الدكتور جبار جودي ليست موقفاً إدارياً، بل سابقة خطيرة في علاقة البرلمان بالعقل الثقافي للبلد.
بدلاً من النقاش، اختاروا الصمت الإجباري.
وبدل أن يفتحوا حواراً حول واقع الفن العراقي، اختاروا أن يُغلقوا فم من تكلم بجرأة.
أي ثقافة هذه التي لا تحتمل رأياً مختلفاً؟
وأي لجنة ثقافية تخشى النقد؟
إن الدفاع عن جبار جودي ليس انحيازاً لشخص، بل دفاع عن فكرة
أن يظل الفن مساحة حرة للقول، لا ميداناً للمحاسبة السياسية.
أن يبقى الفنان ضمير المجتمع، لا موظفاً في ديوان السلطة.
في بلد يحتاج إلى من يُعيد له ذائقته الجمالية وكرامته الرمزية،
لا يجوز أن يُعاقَب من يذكرنا بمعنى الفن،
بل أن يُحترم لأنه تجرأ وقال ما لم يقله أحد:
إنّ الثقافة في خطر، حين يحتكرها من لا يعرفها.
