الحب كما كان وكما أصبح

فلاح الكلابي

قبل أيام، وجدت بين أوراقي دفترا صغيرا قديما.

دفتر فيه نصوص قصيرة، كتبتها قبل أكثر من سبعة وثلاثين عاما. عدت إليه بدافع الحنين.

بين الصفحات وجدت اقتباسا كنت قد نقلته من رواية آنا كارنينا للكاتب ليو تولستوي. كُتبت الجملة دون تعليق لكن معناها اليوم يبدو أوضح من أي وقت مضى. لم تكن جملة رومانسية ولا وعدا بالسعادة، بل خلاصة هادئة تقولها الرواية من داخل مصير بطلتها

أن آنا كانت تبحث في الحب عن ما لا يستطيع الحب أن يمنحه.

لم تقدم الرواية الحب بوصفه اندفاعا جميلا، بل بوصفه مسؤولية، واختيار، وثمنا يدفعه الأنسان حين يخلط بين الرغبة وبناء الحياة نفسها.

في الماضي، كان الحب أبطأ.

لا لأن الناس كانوا أكثر رومانسية، بل لأن العلاقات كانت تبنى داخل سياق واضح : وقتا أطول، وصبرا أكبر ومسؤولية اجتماعية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها بسهولة. لم يكن الانسحاب خيارا سريعاً، ولا كانت المشاعر وحدها مبرر كافي للاستمرار أو الرحيل.

كان الحب يُختبر في الزمن، لا في اللحظة.

كان الاختلاف جزء من المسار، والألم مرحلة مفهومة وإعادة التفكير خطوة ضرورية قبل أي قرار. أما اليوم، فكثير من العلاقات يبدأ من الشعور، وينتهي عند أول خيبة. سرعة الدخول تقابلها سرعة الخروج، وكأن العلاقات تحولت إلى تجارب مؤقتة لا التزامات إنسانية.

في حب هذا العصر، كثير من الشباب يريدون المشاعر بلا ثمن.

يريدون القرب دون صبر، والتفاهم دون جهد، والاستمرار دون تعقيد. وحين تظهر أول مشكلة، تُفسر بوصفها دليلا على الخطأ، لا بوصفها جزء طبيعي من أي علاقة حقيقية.

الفرق بين حب الأمس وحب اليوم ليس في الإحساس، بل في القدرة على التحمل.

حب الأمس كان يدرك أن المشاعر وحدها لا تكفي. وحب اليوم يتصرف أحيانا وكأن المشاعر يجب أن تكون كافية لكل شيء.

لا يعني هذا أن الماضي كان أفضل، ولا أن الحاضر أسوأ.

لكنه يعني أن شيئا مهما تراجع … الاستعداد لتحمل تبعات الحب. لم يقل الحب، بل زاد الاندفاع، وقل الصبر.

الحب الناضج لا يُقاس بقوته في البداية، بل بقدرته على الصمود دون أن يتحول إلى صراعا.

ولا يُقاس بكثرة الكلام، بل بالثبات حين يقل الكلام.

ربما لهذا تبقى الروايات القديمة مرجعا صادقا.

لأنها لم تجامل الحب، ولم تقدمه كخلاصا، بل كاختبار إنساني حقيقي، يحتاج وعيا بقدر ما يحتاج قلبا.

الحب لم يتغير كثيرا.

الذي تغير هو علاقتنا بالوقت، وبالصبر، وبفكرة الالتزام نفسها.


مشاركة المقال :