بقلم: رشيد البحراني
في زمن الاضطراب السياسي والتجاذبات الحادة، تبقى المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف صمام أمان وميزان حكمة، وقد حرصت دائماً على النأي بنفسها عن الدخول في لعبة الأسماء والمواقع التنفيذية، محافظةً على دورها الأبوي والوطني الجامع.
وفي هذا السياق جاء الجواب الأخير المنسوب لسماحة السيد محمد رضا السيستاني إلى قادة الإطار ليؤكد هذا المبدأ الثابت:
“سبق أن أوضحت المرجعية الدينية العليا أنها ترفض أن تُطرح عليها أسماء المرشحين لموقع رئاسة مجلس الوزراء. فلماذا إعادة المحاولة؟!”
وهو نص قصير في ألفاظه، عميق في دلالاته، أعاد رسم الحدود الواضحة بين المرجعية والعمل السياسي التنفيذي، وبما يترك لكل قارئ أن يفهم من هذا الرد المتكرر أن المرجعية لا تكتفي برفض الاستفسار، بل إن كثيرين يقرأون فيه رفضاً للمسار المتبع ، وللمعادلة التي يُراد من خلالها إنتاج الاسم، بصرف النظر عن الأسماء المطروحة والإشكالات المثارة حولها.
غير أن محاولة طرح اسمٍ بعينه هذه المرة لا يمكن فصلها عن سياقها السياسي، خصوصاً وأن لهذا الاسم تاريخاً من المواقف المرجعية المعروفة، ما يجعل من إعادة طرحه اليوم محاولةً لقراءةٍ جديدة لذلك الموقف أو سعياً غير مباشر لتجاوز تحفظات سابقة، إلا أن المرجعية واجهت ذلك بثبات وحكمة، وأغلقت الباب أمام أي توظيف سياسي محتمل لموقفها.
وتتضح الإشكالية من جهتين:
الأولى أن المرجعية أعلنت بوضوح رفضها مناقشة الأسماء حفاظاً على موقعها الوطني من الاستهلاك السياسي.
والثانية أن الاسم المطروح ليس جديداً في الذاكرة الوطنية، بل سبق أن ارتبط بمواقف مرجعية واضحة، ما يجعل العودة إليه اليوم أمراً يفتقر إلى المسوغ المنطقي والسياسي.
ويزداد المشهد دلالة حين نعلم أن الاستفسار ذاته وصل من جهتين مختلفتين، بما يعكس حجم الخلاف داخل الإطار نفسه. وهذا أمرٌ طبيعي في السياسة، غير أن نقل هذه الخلافات إلى ساحة المرجعية يحمّلها ما لا ينبغي أن تُحمَّل، ويُبعد المسار السياسي عن مساره الصحيح.
وفي هذا السياق، من المهم أن تمارس القوى السياسية دورها الطبيعي بشجاعة ووضوح، وأن تعلن مواقفها بصراحة أمام خصومها والرأي العام من دون أدنى حرج؛ فمصلحة العراق واستقرار دولته أهم من أي حسابات ضيقة أو اعتبارات شخصية، وهذه مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الجميع.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا كان جواب المرجعية؟
بل: لماذا جرى تجاهل جوابها السابق؟ ولماذا الإصرار على إقحامها في خلافات كان يفترض أن تُحل داخل البيت السياسي نفسه؟
وتبقى كلمة المرجعية الأخيرة، بهدوئها وحكمتها، حاضرة في المشهد:
لماذا إعادة المحاولة؟
