نصّ «أيها الكلب» يعرّي الإنسان ويؤنسن الحيوان في شعر نجوى غانم

محمد الكلابي

في زمنٍ تُبتلع فيه القيم كما تُبتلع الأجساد، تخرج قصيدة الشاعرة الفلسطينية نجوى غانم «أيها الكلب» من قلب الجرح الفلسطيني لا بوصفها استعارةً، بل وثيقةً حيّة عن انهيار المعنى في وجه الجوع والموت. ليست القصيدة عن الحرب، بل هي الحرب نفسها وقد وجدت لغتها. الشاعرة لا تصف المشهد من بعيد، بل تكتب من موقع الجثّة، من مكانٍ لا يتحدث فيه أحد إلا الأرض. تبدأ القصيدة بهذا الافتتاح الصاعق:

أيها الكلب

أعرف أنك جائع،

فقد جعتُ قبلك،

وأكلتُ من خشاش الأرض،

لكنني لم أفكر يوماً في أكلك.

منذ هذه اللحظة، يُلغى التراتب بين الإنسان والحيوان، بين الآكل والمأكول. الجائع هنا لا يتحدث عن بطنه، بل عن ضميره؛ أن تقول «جعتُ قبلك» اعترافٌ بأنك سبقت الحيوان إلى المحنة ومع ذلك بقيتَ مخلوقاً لا يفترس. في هذه الجملة الأولى وحدها تُلخّص نجوى غانم سقوط العالم: أن يظلّ في الجوع ما يُبقيك إنساناً. ثم تأتي الجملة التالية لتعلن الفراغ الأخلاقي الكامل:

أيها الكلب

لا خشاشَ في الأرض اليباب،

وتوسلاتي تلاشت،

صارت سراباً.

اللغة نفسها هنا تجوّعت؛ الأرض لم تعد تُنبت حتى الرموز، والرجاء تبخّر، لأنّ الخشاش الذي كان طعام الفقراءِ صار ذكرى. هذا الانعدام الشامل للخصب هو ما يجعل القصيدة تسكن منطقةً بين الواقع والرماد؛ الصوت الذي ينادي الكلب ليس صوت نجوى وحدها، بل صوتُ أرضٍ فقدت قمحها وإنسانها معاً. ثم تقول:

أيها الكلب

جثتي البائسة وليمة،

الجوع كافر،

والعيون لئيمة.

في هذا المقطع القصير تتكثّف الفاجعةُ كلّها: الجسد صار مائدةً، والجوعُ إلهاً بلا رحمة، والعيون التي ترى لم تعد تُبصر. «الجوع كافر» ليست شتيمةً، بل حكمٌ لاهوتيّ جديد على زمنٍ بلا إيمان، و«العيون لئيمة» توصيفٌ أخلاقيّ لبرود العالم أمام المأساة. هنا تلامس الشاعرة جوهر السؤال: من الكافر حقّاً؟ الجوع، أم الذين شاهدوا ولم يفعلوا شيئاً؟ وعند هذه العتبة ينفتح في النص البُعد النفسي العميق الذي صاغه مارتن إي. بي. سليغمان في كتابه Helplessness: On Depression, Development, and Death (1975) تحت اسم «العجز المكتسب»؛ ليس الألم ما يشلّ الإرادة، بل تكراره القاسي الذي يربّي الوعي على قَبول اللاجدوى. في هذا المعنى، لا تشتكي نجوى العجزَ الفلسطيني فحسب، بل تفضح آليته: إنّ تتابع الكارثة يصنع عادةً شعورية تُحوّل الجريمة إلى مناخ، وتُدرّب العين على اللامبالاة؛ هكذا تصير «العيون لئيمة» لأنّها تعلّمت ألّا ترى. وتتابع الشاعرة المشهد الأخير من المأساة ببرودةٍ تكاد تقتل القارئ:

تراني جثّة، ولا تمدّ يدك لتواريني الثَّرى، وتبرأ من الجريمة.

هنا يُلغى الفاعل تماماً: الجريمة بلا مجرمٍ حاضر، واليد التي يجب أن تدفن الميّت اختفت. الكلب يقف مكان الإنسان، والإنسان يغيب عن دوره في ستر الموت. تكشف القصيدة هنا عن عمقها الفلسفي: ليست الحرب ما يقتلنا وحدها، بل اختفاء مَن يدفنون موتاهم؛ الصمت هو الجريمة الكبرى. ومن قلب هذا الصمت يولد الرجاء الأخير:

أيها الكلب

خذ ما شئتَ مني،

لكن دع يدي،

أريد أن أكتب حزني الأبدي.

هذا المقطع هو جوهر القصيدة ومفصلها الوجودي: اليد التي تتوسّل الشاعرة بقاءَها ليست عضواً، بل وعيٌ متجسّد؛ اليد التي تكتب، تشهد، وتمسك القلم بدل السلاح. في زمنٍ يُؤكل فيه الإنسان، تريد أن تُترك له يدٌ يكتب بها. هنا تتحوّل الكتابة إلى شكلٍ من أشكال البقاء، والقصيدة إلى وصيّةٍ تُقال قبل الافتراس؛ الحزن الأبدي ليس نواحاً بل مقاومة. وعند هذه الذروة تبرز دلالة «الفالوس الرمزي» في فكر جاك لاكان كما صاغه في Séminaire, Livre V: Les formations de l’inconscient (1957–1958): ليس المقصود العضوَ البيولوجي، بل العلامة التي تمنح الذاتَ موقعَها داخل النظام الرمزي للعالم. اليد هنا هي «الفالوس الرمزي» للإنسان الفلسطيني: دليل الاعتراف بوجوده في خطاب البشر. الجسد قد يُلتهم، لكن اليد ـ بما هي علامةُ الكتابة ـ تُبقي الذات فاعلةً في اللغة؛ بهذا المعنى، تَمنح الكتابةُ خلوداً رمزياً لا عبر الأسطورة بل عبر الموقع في الخطاب؛ إنّها آخر رابطةٍ بين الإنسان ومعناه. ثم يأتي الختام بأقسى صور الوفاءِ وأجملها معاً:

أيها الكلب

لم يبق غير يدي،

التهِمْها… واذكرني،

فأنت الوفي.

بهذه الكلمات تبلغ القصيدة ذروتها الأخلاقية والفكرية: الشاعرة تسلّم الجسد وتستبقي الذاكرة. تطلب من الحيوان أن يتذكّرها لأنّ الإنسان لم يعد قادراً على التذكّر. المفارقة المروّعة أنّ الوفاء الذي كان سمةَ الإنسان صار ميراثَ الحيوان؛ الكلب هنا ليس خصماً بل شاهداً؛ الكائن الأخير الذي سيحمل ذكرى الإنسان بعد فنائه. إنّها قسوةٌ تُعيد ترتيب العالم: الغرائزُ تحرس الذاكرة، واللغةُ تُدفن في يدٍ مقطوعة. قصيدة الشاعرة لا تُقرأ كرمزٍ عن فلسطين فحسب، بل ككشفٍ عن لحظةٍ شاملةٍ لانقراض المعنى في عالمٍ صار فيه الجوعُ لغةً دوليّة. إنّ الصورة التي كُتبت منها القصيدة — الكلابُ التي تنهش جثث الشهداءِ في شوارع غزّة — هي نقطة التماس بين الواقعيّ والمجرّد، بين ما يُرى وما لا يُطاق. نجوى لا تكتب الشعر هنا ترفاً، بل فعلاً من أفعال العدالة الرمزية: أن تمنح الموتى لساناً حين صودرت منهم الكلمة. كلّ بيتٍ في القصيدة يقلب الحربَ من حدثٍ إلى اختبارٍ أخلاقيٍ للوجود؛ «أيها الكلب» ليست مرثيّةً، بل محضراً لإدانة العالم. الإنسان فيها لم يعد مركزَ الرحمة بل موضوعَها الضائع.

وفي الخاتمة لا نخرج من القصيدة كما دخلناها؛ فبعد أن نقرأ «أريد أن أكتب حزني الأبدي»، ندرك أنّ الحزن الأبدي هو الوعيُ نفسُه، وأنّ الكتابة ليست ترفاً بل شرطاً للبقاء. هذه القصيدة لا تبكي الجثّة، بل تجعلها تتكلّم؛ لا تستعطف الكلب، بل تُعرّي الإنسان. ولهذا فهي من أندر النصوص التي وازنت بين الفعل الواقعي والتجربة الميتافيزيقية. لقد كتبت الشاعرة نجوى غانم في «أيها الكلب» أكثر من قصيدة: كتبت وصيّةَ الوعي قبل أن يُؤكل، وذكّرتنا أنّ الكلمة، لا السلاح، هي آخر ما يُنتَزع من الإنسان قبل موته.


مشاركة المقال :