في حوار خاص لـ”المستقل” قارئ المقام عمر العيساوي: المقام ليس غناءً بل مناجاة

 

حاوره- حارث أحمد جابر

أن تتحدث عن المقام العراقي بعيداً عن بغداد، فذلك يعني أن تمسك بلهيبٍ لا بنغمة، وأن تستحضر مدينة كاملة في حنجرة واحدة. هذا ما يفعله عمر العيساوي: يحوّل الغربة إلى وطنٍ بديل، ويجعل من صوته مرآةً لبغداد وهي تعبر القارات بلا جواز سفر. في نبراته يلمع حزن الأزقة القديمة، وفي أدائه تنبض ذاكرة أجيالٍ تخشى أن يبتلعها الصمت.

العيساوي ليس قارئاً عابراً للمقام، بل ذاكرة متحركة تحمل إرث يوسف عمر والقبانجي والغزالي، وتعيد بثّه في فضاءات كندا وأميركا والمهجر. صوته يُعامل النغمة كوثيقة، ويحفظ بها تاريخاً لا يقبل المساومة. ومن خلال مشاركاته في مهرجانات أكاديمية مقامات الدولية مع فرقة الجالغي البغدادي، وبإشراف المايسترو أنور أبو دراغ، أثبت أن المقام يمكن أن يعيش بعيداً عن منابته، دون أن يفقد أصالته.

ما يميّزه حقاً أنه لا يقرأ المقام ليطرب، بل ليحرس: يحرس بغداد من النسيان، ويحرس العراق من الغياب. صوته جسرٌ بين الماضي والحاضر، بين الأزقة الموصوفة في كتب الذاكرة وبين مسارح المهجر البعيدة. وفي حضوره، يتصالح الانضباط الصارم لأصول المقام مع الحرية الخلّاقة التي تمنحها الغربة، فيولد أداء يحمل طابع الحراسة والابتكار معاً.

ومن هذا التقاطع بين الذاكرة والابتكار انطلق حوارنا معه في صحيفة “المستقل”، حيث بدأنا من الجذور: متى وُلد شغفه بالمقام؟ وأي مقام اختار ليكون مرآته؟ فكان جوابه مباشراً:

> كل المقامات العراقية رائعة وجميلة ولكن المقام الأقرب هو السهل الممتنع (مقام البيات) وما يتفرع منه.

 

بعد البداية، كان لا بد من الوقوف عند الأسس. سألناه عن القاعدة التي يقوم عليها غناء المقام من خلال تجربته مع أكاديمية مقامات الدولية، فقال:

> لقراءة المقام العراقي، يستلزم الأمر دراسة وفهم بنية هذا الفن الموسيقي العريق، الذي يتكون من مقاطع لحنية معقدة تبدأ بتحرير ثم نزول إلى الطبقات السفلية (الجلسة)، وصولًا إلى ذروة صوتية في (الميانة)، وانتهاءً بعبارات ختامية تُعرف بـ(التسليم). يجب على القارئ أن يمتلك ذاكرة سمعية قوية تمكنه من حفظ الأنماط اللحنية المختلفة والتمييز بينها، مع معرفة الطابع النغمي لكل مقام.

 

ثم مضى الحديث إلى سؤال عن الحرية والانضباط: هل جمال المقام في صرامة قواعده أم في مساحة التجديد داخله؟ فأجاب بتأكيد ووضوح:

> الأداء الفني للمقامات العراقية عند قدامى المغنين له أصوله وضوابطه وقواعده وأُسسه الفنية المتينة التي كانت تتبع في غناء المقامات العراقية. وهذه الأُسس الفنية تتجسد في فصول المقامات العراقية. وهذا ما يميز المقام العراقي ويزيد من جماليته.

 

وبعد الأصول، لا بد من الحديث عن المنابع. سألناه: بمن تأثرت، ومن اكتشف موهبتك في المقام؟ فاستحضر رموزاً كباراً بقوله:

> مثلي الأعلى هو المرحوم يوسف عمر (أبو يعگوب)، وصاحب الفضل الكبير في مسيرتي الفنية هو الأستاذ أنور أبو دراغ، مدير أكاديمية مقامات الدولية في كندا.

 

ومن الروّاد إلى المحطات، سألناه عن أبرز محطة فنية شارك بها، فأجاب:

> أعتز بمشاركتي في مهرجان العراق الثالث للفنون والتراث، وقدمت فيه أجمل المقامات مع فرقة الجالغي البغدادي، وخاصة قصيدة (بغداد) التي كتبها المرحوم محمد القبانجي وقرأتها بمقام البنجگاه.

 

ولم نترك الفرصة دون أن نطلب منه وصف المشهد كما عاشه، فقال:

> المهرجان استمر ثلاثة أيام من 21 إلى 23 آب، وشهد عروضًا تراثية متنوعة: الجالغي البغدادي، المربعات، الخشابة البصرية، الچوبي الأنباري، عرض الأزياء التراثي، العرس البغدادي، الأغاني المصلاوية، الدبكات الكردية، والفنون الآشورية والكلدانية والقوريات وفنون تراثية من كركوك. كانت بالفعل تجربة رائعة وفريدة.

 

ومن الحديث عن المشاهد إلى السؤال عن الواجب: ما مسؤوليتكم تجاه إرث المقام؟ أجاب بتأكيد لا لبس فيه:

الإرث الذي تركه محمد القبانجي، يوسف عمر، وناظم الغزالي وغيرهم من رواد المقام أصبح واجبًا علينا الحفاظ عليه، ونحن نعمل على ذلك، خاصة أساتذتنا الكبار: حامد السعدي، حسين الأعظمي، سعد الأعظمي، أنور أبو دراغ، إسماعيل فاضل وغيرهم من رواد وأساتذة المقام العراقي.

 

ثم أخذنا الحوار إلى الغربة، وسألناه كيف انعكست على إحساسه بالمقام، فأجاب:

> الغربة والبعد عن بغداد كان لهما أثر كبير في نفسي، ويتجلى ذلك عند قراءة المقام في المناسبات، حيث لا يوصف الشعور حين يُذكر وطننا الغالي العراق وبغداد الحبيبة.

 

ومع الغربة، يظل المستقبل حاضراً. سألناه عن مشاريعه القادمة، فقال:

> بفضل أكاديمية مقامات وأعضائها والفرقة الموسيقية، تطورت كثيرًا في أداء المقام العراقي. وهناك نية لإقامة حفلات في كندا، أمريكا، وإن شاء الله قريبًا في بغداد الحبيبة.

 

ولأن الأكاديمية محطة أساسية في مسيرته، عدنا نسأله متى انضم إليها وما أبرز محطاتها، فقال:

> انتميت إلى الأكاديمية وأوركسترا مقامات في آذار 2024. أنا الآن عضو في الهيئة الإدارية، وشاركنا في مهرجانات وأمسيات ناجحة مع فنانين كبار أمثال نصير شمه، مأمون النطاح، وسولافة غانم حداد، ونوفا عماد، وكان أيضًا حضور رسمي من قبل السفارة العراقية التي تقف دائمًا سباقة لدعم الفن والفنانين في كندا.

 

وحين طلبنا منه أن يصف العمل داخل الأكاديمية، أجاب بفخر:

> في أكاديمية مقامات، يعمل الجميع كخلية نحل بكفاءة عالية، من كادر نسائي ورجالي مميز، أفتخر بالعمل معهم. الأستاذ أنور يتابع الجوانب الإدارية والفنية بدقة، ويحرص على الحفاظ على روحية المقام وضوابطه، مثل تنظيم جلوس الجوقة واختيار الزي البغدادي التقليدي في حفلات الجالغي. كما يبذل جهودًا كبيرة في التفاصيل الفنية، ويشرف على فرق متخصصة في التصوير، الإخراج، الديكور، الإضاءة، وشاشات العرض التراثية، إلى جانب كوادر محترفة في الهندسة الصوتية.

 

وبعد الأكاديمية، كان لا بد أن نسأله عن المهجر. كيف يرى دور الجالغي والمقامات هناك؟ فأجاب:

> الجالغي البغدادي، والمقامات، والفنون الشعبية، هم سفراء قادرون على إيقاد الحنين والانتماء إلى بيئة وزمان تغيّرا، لكن بقيت الذكريات تُنشد الحنين في كل غربة.

 

ومن السفراء إلى لحظات الفقد، سألناه: أي مقام يعبّر عن الوداع؟ فكان جوابه:

> مقام الحويزاوي يمتاز بالشجن ويعبّر عن لحظات الوداع. قال فيه المرحوم محمد القبانجي:
(لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ
وحملوها وسارت بالهوا الإبلُ).

 

ومن لحظة الوداع عدنا إلى جوهر الفن ذاته: إذا كان للمقام روح، فكيف يصفها؟ فكان صوته هذه المرة أقرب إلى المناجاة:

> المقام العراقي أبعد من ذلك بكثير؛ هو تقليد صوتي كلاسيكي، وهو ليس مجرد غناء بل رواية سردية لتاريخ بغداد والعراق، ويصفه البعض بأنه “فن مقدس” لما فيه من مناجاة وحكمة وعشق وحب وحزن وفرح وذكرى وملاذ فني وهوية ثقافية.

 

وفي الختام، سألناه عن الكلمة التي يوجهها لجمهوره، فأوجز قائلاً:

> المقام العراقي ليس مجرد غناء، بل هو ذاكرة وطن وصوت قلب. استمعوا له بصدق، تجدوا فيه أنفسكم.

 

في صوت عمر العيساوي لا يقتصر الأمر على النغم؛ إنك ترى بغداد تتنفس، وتشمّ رائحة الأزقة المبللة بذاكرة أجيال، وتلمس حنيناً لا يشيخ.
إنه فنان لا يكتفي بأداء المقام، بل يعيد ابتكار معناه: يجعل منه جسراً بين وطن يفيض بالتاريخ ووجدان يبحث عن صوته في الغربة.

من كندا، يكتب العيساوي فصولاً جديدة في كتاب المقام العراقي، لكن هذه الفصول ليست إضافةً إلى الماضي فحسب؛ إنها عهدٌ بأن هذا الفن سيظل حياً ما دام ثمة قلب يصدح وحنجرة تحفظ سرّ بغداد.


مشاركة المقال :