مصطفى طه الياسري
في المشهد الرياضي العراقي، حيث تختلط الأصوات وتضيع الحقائق بين العاطفة والارتجال، يبرز صوتٌ قانوني نادر، لا يُهادن ولا يُجامل، بل يُعيد تعريف المهنية بندًا بندًا.
الدكتور صالح المالكي، الخبير القانوني الدولي، لا يتحدث من برجٍ نظري، بل من قلب الملفات، ومن ساحات التقاضي، ومن واقعٍ يعرفه بندًا بندًا.
في هذا اللقاء الدولي مع صحيفة “المستقل”، لا نُجري حوارًا، بل نُسجّل شهادة مهنية عالية، تكشف ثغرات العقود، هشاشة التشريعات، وغياب الحصانة القانونية في الوسط الرياضي العراقي.
المالكي لا يكتفي بالتشخيص، بل يُقدّم خارطة طريق، ويُطالب بتأسيس مدرسة عراقية في القانون الرياضي، تكون مرجعية وطنية لا تُدار بالمزاج، بل بالنصوص المحكمة.
هو ليس مجرد خبير، بل عقلٌ مؤسّسيٌ نادر، وصوتٌ إصلاحيٌ صارم، ومشروعٌ وطنيٌ يُراكم أثره بصمتٍ ووضوح.
ما الأساس القانوني لدعوى المدرب الإسباني كاساس ضد الاتحاد العراقي؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل يمكن الاستئناف؟
المالكي: الدعوى التي رفعها المدرب كاساس لم تُنظر من قبل محكمة “كاس” كما يعتقد البعض، بل صدرت من لجنة شؤون اللاعبين التابعة للفيفا، وهي لجنة ابتدائية وليست نهائية. القرار الذي صدر بحق الاتحاد العراقي جاء نتيجة إخفاق قانوني واضح في صياغة العقد، حيث احتوى على مواد ملغومة وشروط جزائية غير دقيقة، خصوصًا فيما يتعلق بأجور المساعدين. الاتحاد العراقي هو من يتحمل المسؤولية المباشرة، لأنه وقّع على عقد دون تدقيق قانوني كافٍ، ودون الرجوع إلى مختصين في القانون الرياضي الدولي. ومع ذلك، فإن القرار قابل للاستئناف أمام محكمة “كاس” خلال مدة أقصاها 21 يومًا من تاريخ التبليغ، ويجب أن يتولى الطعن محامٍ مختص بهذه المحكمة، سواء من داخل العراق أو خارجه، لأن الإجراءات أمام “كاس” تختلف جذريًا عن المحاكم التقليدية، وتحتاج إلى خبرة دقيقة في القانون الرياضي الدولي.
كيف تقيّم قانونية مركز التسوية والتحكيم الرياضي في العراق؟ وهل هو جهة مستقلة؟
المالكي: مركز التسوية والتحكيم الرياضي في العراق هو مركز اتفاقي، أي أن اللجوء إليه لا يكون إلزاميًا إلا إذا نصّت اللوائح الداخلية للاتحادات الرياضية على ذلك. النظام الداخلي للاتحاد العراقي لكرة القدم لا يتضمن نصًا يُلزم بالرجوع إلى هذا المركز، بل يُشير صراحة إلى محكمة “كاس” الدولية كمصدر للتحكيم النهائي. من الناحية الإدارية، المركز يفتقر إلى الاستقلالية المالية والإدارية، وهناك تدخلات واضحة من المكتب التنفيذي للجنة الأولمبية في تشكيله وتوجيهه. تشكيل المركز الحالي يخالف المادة 16 من قانون اللجنة الأولمبية، التي تشترط أن يكون أعضاء المركز مستقلين ومؤهلين قانونيًا، بينما نلاحظ أن بعض الأعضاء لا يمتلكون الشروط القانونية المطلوبة، ما يخلّ بشرعية المركز ويضعف قراراته أمام أي طعن دولي.
ما توقعاتك لزيارة وفد الفيفا والاتحاد الآسيوي؟ وهل ستُحسم الانتخابات؟
المالكي: الوفد المشترك من الفيفا والاتحاد الآسيوي سيزور العراق في 30 أو 31 أكتوبر، والهدف من الزيارة هو جمع الأدلة والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بالعملية الانتخابية داخل الاتحاد العراقي لكرة القدم. أتوقع أن تكون نتائج الزيارة حاسمة، وقد تؤدي إلى استبعاد بعض الشخصيات التي ثبت تدخلها أو تأثيرها على سير الانتخابات، كما أتوقع حل لجنتي الانتخابات والاستئناف، والدعوة إلى اجتماع جديد للجمعية العمومية لاختيار شخصيات جديدة تتولى الإشراف على الانتخابات. من المرجح أن تُجرى الانتخابات في الشهر الثاني أو الثالث من العام المقبل، لكن ذلك مشروط بتفاهم داخلي بين أعضاء الاتحاد، وبتقديم ضمانات حقيقية لدعم المنتخب الوطني بعيدًا عن الصراعات الإدارية.
هل تشريعاتنا الرياضية تواكب لوائح الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية؟
المالكي: من حيث النصوص، لا توجد مخالفات جوهرية في التشريعات العراقية مقارنة بلوائح الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية. لكن المشكلة تكمن في التطبيق، وفي غياب قوانين مساندة مثل قانون مكافحة الشغب الرياضي، وقانون المنشطات، وقانون تحليل الأداء، وقانون تأهيل القيادات الرياضية. هذه القوانين ضرورية لتطوير المنظومة الرياضية، وقد تم طرحها أمام لجنة الشباب والرياضة في البرلمان، ونأمل أن يتم إقرارها قريبًا لتكون جزءًا من البنية القانونية الداعمة للرياضة العراقية.
كيف ترى أداء اللجان القانونية داخل الاتحادات؟ وهل تمتلك صلاحيات فعلية؟
المالكي: للأسف، أغلب اللجان القانونية داخل الاتحادات الرياضية العراقية هي لجان شكلية، لا تمتلك صلاحيات حقيقية، وغالبًا ما تكون تابعة إداريًا لرئيس الاتحاد أو المكتب التنفيذي، ما يُضعف استقلاليتها. نحتاج إلى إعادة هيكلة هذه اللجان، ومنحها صلاحيات واضحة ومحددة، كما يجب أن يتم اختيار أعضائها من ذوي الاختصاص القانوني الحقيقي، وليس بناءً على الولاءات أو العلاقات الشخصية. الحل الجذري يكمن في تدريس القانون الرياضي في كليات التربية الرياضية وكليات القانون، وتشجيع المحامين على التخصص في هذا المجال عبر الدراسات العليا، بدعم مباشر من الدولة.
كيف تقيّم قانون الأندية؟ وما أبرز الثغرات في عقود اللاعبين؟
المالكي: قانون الأندية الحالي بحاجة إلى تعديل جذري، لأنه لا يواكب التطورات الحديثة في إدارة المؤسسات الرياضية. يجب تحويل الأندية إلى شركات خاصة، تخضع لقوانين الاستثمار والمحاسبة، وتُدار وفقًا لمعايير الحوكمة والشفافية. أما عقود اللاعبين، فهي تعاني من مشاكل كبيرة، أبرزها تضمين مبالغ غير حقيقية، وبنود مخالفة للقانون، مثل سحب الدفعات في حال سوء النتائج، أو فرض غرامات غير مبررة. يجب أن تكون هناك لجنة تقييم محايدة، لا تابعة للنادي، لضمان العدالة في التعاقد، ويجب أن تُصاغ العقود وفقًا لنماذج قانونية معتمدة دوليًا، لا وفقًا للمزاج الإداري.
كيف ترى دور الإعلام الرياضي في نشر الثقافة القانونية؟
المالكي: الإعلام الرياضي في العراق منقسم بين إعلام وطني مسؤول يسعى إلى التثقيف، وإعلام يبحث عن الإثارة والضجيج. القانون الرياضي لا يُمنح المساحة الكافية في البرامج الرياضية، وغالبًا ما يُستضاف القانونيون كمجاملة أو لتبرير موقف إداري، لا لتقديم تحليل قانوني حقيقي. يجب على القانونيين أن يفرضوا صوتهم المهني، وأن ينشروا الثقافة القانونية عبر الكتب، المقالات، والدورات التدريبية، وأن يرفضوا الانصياع لرغبات مقدمي البرامج الذين يبحثون عن الجدل لا عن الحل.
ما أهمية كتابكم الأخير “مدخل لدراسة القانون الرياضي”؟ وما الخطوة التالية؟
المالكي: كتاب “مدخل لدراسة القانون الرياضي” هو محاولة لتأسيس مدرسة عراقية في القانون الرياضي، ويُعد أول كتاب أكاديمي شامل في هذا المجال داخل العراق. يتناول الكتاب مصادر القانون الرياضي، خصائصه، أنواعه، ويعالج قضايا العقود، التحكيم، واللوائح الدولية. نسعى لتدريسه في الدراسات العليا، وننظم دورات تدريبية في بغداد والمحافظات، بهدف تخريج جيل قانوني رياضي متخصص، يكون قادرًا على حماية حقوق الرياضيين والمؤسسات، ويمثل العراق في المحافل الدولية بمهنية عالية.
ختاماً
في كل إجابة، لا يكتفي الدكتور صالح المالكي بالتشخيص، بل يُقدّم علاجًا قانونيًا دقيقًا، ويُعيد ترتيب المفاهيم بمنهجية لا تعرف المجاملة.
هو لا يُراوغ في اللغة، ولا يُساير في المواقف، بل يُواجه بمنطق القانون، ويُرافع باسم العراق، ويُطالب بمنظومة رياضية تُدار بالعدالة لا بالارتجال.
هذا اللقاء ليس مجرد حوار، بل وثيقة قانونية عراقية تُسجّل في أرشيف الصحافة المهنية، وتُفتح أمام كل من يسعى إلى بناء رياضة وطنية تُدار بالقانون لا بالعاطفة، وتُحتَرم فيها الحقوق، وتُصان فيها المؤسسات، ويُعاد فيها الاعتبار للمهنية والعدالة.
الدكتور صالح المالكي ليس مجرد خبير قانوني، بل عقلٌ مؤسّسيٌ نادر، يُجيد قراءة النصوص كما يُجيد قراءة الواقع، ويُؤسّس بعمقٍ وهدوءٍ لمرجعية وطنية تُعيد للرياضة العراقية هيبتها، وللقانون مكانته في قلب القرار الرياضي.
