ل
انحشرنا جميعًا – أمي وإخوتي وعائلة أخوالي – في غرفة كبيرة داخل مزرعة تعود لأحد أصدقاء خاليهشام. ورغم كآبة الحرب وظلها الثقيل، لكننا قضينا ليلة كرّست تشبثنا بالحياة حتى آخر لحظة.
كانت رائحة الرز المطبوخ على موقد الحطب كفيلة بأن ترسل رعشة في أحشائي التي لم تذق الطعام منذأيام. وصاحب الرز اللبن الخاثر الذي جاد به صاحب المزرعة. واكتملت الجلسة بسيلٍ من التحليلات التيلا نهاية لها عن الحرب.
قال خالي عبد الحسين: «هذه هي نهاية صدام حسين. سيسلّم نفسه، فهو ليس شجاعًا».
كنا جميعًا – أعني الفئة المظلومة – نتشبث بأمل ضعيف أن هذه القوات والجحافل الهائلة ستسقطالمهيب الركن وسلطته في نهاية المطاف. كنا على ثقة أن البعثيين لن يدافعوا عن النظام حين تشتدالأزمة.
بقينا حتى الفجر نستمع إلى إذاعة مونت كارلو وهي تبث الأخبار والتحليلات. وحين انبثق الضوء، سطعتشمس دافئة حنونة، بدت وكأنها صديقتنا الوحيدة. لكن السماء ما لبثت أن زمجرت بأصوات الطائراتالمغيرة مرة أخرى، ولم تتوقف.
عدت إلى مستشفى اليرموك وكأنني لم أغادره. الطوابير الطويلة من الجرحى وضحايا الحروق كانت تملأالردهات. ولاحظت وجود قوات عسكرية عند الباب الرئيسي، وكأن المستشفى قد تحولت إلى ثكنةعسكرية.
كان أخي محمود في الجبهة. آخر خبر وصلنا عنه أنه في حفر الباطن على الحدود السعودية. لم نره منذأكثر من شهرين. لم نكن نعرف إن كان قد فُقِد أو ما زال حيًا. لم يكن هناك شك أنه سيكون في الخطوطالأمامية حين تبدأ عمليات الاجتياح البري، بعد أن نُسفت الدفاعات والبنية التحتية بالضربات الجويةالهائلة.
كنت أنا وعلي، صديق محمود، على اتصال مستمر. كان يسكن في حي الخضراء القريب من المستشفى،وكان يتواصل معي دائمًا. اتصلت به وأخبرته أننا عرفنا أن محمود في حفر الباطن، ولا نعرف أكثر منهذا.
بعد أيام، جاءني علي بسيارته اللادا الخضراء في أحد النهارات، وقال حين التقينا:
«دكتور، تعال تغدّى يمّنا، أمي مُصرّة تجي».
كانت المائدة عامرة بما أعدّته أم علي. فبعد انقطاع الكهرباء اضطرت إلى طبخ كل ما كان مخزَّنًا فيالمجمدة. ذلك النهار ظل دافئًا وحميمًا في ذاكرتي حتى هذه اللحظة. أسرة علي منحتني أمانًا كنتأفتقده في ردهات المستشفى الموحشة. وتلك الأحاديث التي تسللت على مائدة الطعام هزمت الحربمؤقتًا.
كنا نحفر في رمال اليأس وسمائه بحثا عن شحنة أمل تكفي لأن نخطو ولو خطوة واحدة خارج هذاالفضاء المقتول.
يتبع…
