علاء الخطيب
لم يكن كتاب” قوة التفاوض “ تنظيراً أكاديمياً , او رؤية نظرية بحته ، بل تجربة عملية خاضها وزيرالخارجية الإيراني ” عباس عراقجي” وخبرة اكتسبها من خلال الغوص في أتونها ، لم تأتي فكرة الكتاب منفراغ بل كانت مخاضاً عملياً واقعياً عاشه السيد عراقچي لمدة 6 سنوات من التفاوض مع الولايات المتحدة حول ملف بلاده النووي, فهو كبير مفاوضي إيران النووية في مفاوضات 5 + 1 , وكذلك نتيجة تدرجه في المناصب , من موظف في وزارة الخارجية إلى مديراً لمركز الدراسات السياسية والدولية, ثم سفيراً لبلاده في فنلندا.
لقد عكس السيد عراقجي من خلال كتابه صورة الشخصية الإيرانية التي حملت التراكم الحضاريالممزوج بالإيمان الديني ، كما عكس مفهوم ( فن الممكن ) وهي القدرة الحرفية والمهنية للمفاوض ،وكيفية تحقيق المكاسب من خلال طريقة الإقناع وأسلوب الحوار ، وضبط الأعصاب .
إحتوى كتاب قوة التفاوض الذي صدر سنة 2023، بواقع 213 صفحة و وقع في بيروت في خضم الهجمات الاسرائيلية على الضاحية على 6 أبواب وتحت كل باب العديد من العناوين الفرعية ، ابتدأت في طبيعة المفاوضات وأنواع المفاوضات والقوَّة الوطنية، ومهارات ومراحل المفاوضات ومتطلباتها،وسمات المفاوض.
ابتدأ الكتاب بتعريف القارئ على مفهوم التفاوض , وماذا يعني التفاوض .
يعتبر عراقجي التفاوض بمثابة معركة تستخدم فيها كل فنون الحوار والحجج لاقناع الطرف الآخر بماتريد ‘ ويحتاج إلى الصبر وقوة التحمل فيقول : ” التفاوض في الواقع ساحة حرب، واجتيازه أشبه مايكون باجتياز حقل ألغام محفوف بالمخاطر والتوترات، إذ يؤدّي أدنى سهو إلى الدمار، ولهذا يستلزم الوجود في هذا الميدان ساعات وساعات من الاستعداد والتأهّب المسبق” .
كتب عراقجي في المقدمة ديباجة مهمة حول العلاقات العربية الإيرانية ، قائلاً : “يمتلك العالمين العربيوالإيراني تاريخاً حافلاً بالتفاعل والتعايش، رغم ما شهده من مدٍّ وجزر”.
كما شملت المقدمة تعريفاً عميقاً حول فوائد ومتطلبات الحوار , لوزير الخارجية الإيراني الأسبق محمدجواد ظريف , أشار فيه ان الحوار اقل كلفة من الحرب وأكثر مكتسبات ، فيقول : “الذي كان وسيظلّمنأول متطلبات الحكم وأفضل طريقة لتقليل التكاليف وزيادة المكتسبات”، ويضيف ان الحوار هو“الاستعداد للتضحية والمخاطرة بالسُمعة الشخصية لتحقيق المكاسب القومية”.
في ص 27 يرسم الوزير الإيراني صورتان للمفاوضات واحدة تلك التي يراها الناس على شاشاتالتليفزيون يحيط بهم الصحفيون، وأخرى خلف الكواليس مختلفة تماماً ، فيقول : “عندما تتحدثعنالمفاوضات الدبلوماسية يتبادر في أذهان بعض الناس أشخاص يرتدون أزياء أنيقة وجذّابةيجلسونخلف طاولات الفخمة، وهم يضحكون ويحتسون قهوة باهظة الثمن، لكن الحقيقة مختلفة، كلشيءيتغيّر ما أن يخرج الصحافيون من قاعة الاجتماع، فالأشخاص الذين كانوا يتظاهرون بالابتساماتأمامالكاميرات يتحولون فجأة إلى أشخاص جادّين متجهمين أحياناً، وتخرج الملفات والأوراق أوأجهزةالحاسوب والأجهزة اللوحية هذه الأيام التي أُخفيت عن أنظار الإعلاميين الفضوليين لتوضع علىالطاولةوهنا تبدأ “حرب الإرادات والمهارات”.
في الباب الأول وفي ص 42 يستعرض عراقجي “ماهية المفاوضات السياسية ومفهومها”، يفصلالإطارالمفاهيمي للتفاوض بعدة نقاط، بعد ان يغوص في الجنبة الفلسفية لماهية التفاوض فيقول :
أولاً؛ الحوار “الذي هو جوهر خلق الإنسان”
، ثانياً؛ “الإنسان في الأصل كائن اجتماعي”
ثالثاً؛ التفاوض هو “تفاعل البيان والكلام” وهدف التفاوض “تحقيق أفضل صفقة ممكنة” تُرضيالطرفين.
(ص42)..
في الباب الثاني يتحدث عن أنواع المفاوضات السياسية”، و يُقسّما إلى عدة أنواع وفقاً للأهداف،فهناك التفاوض من أجل التعاون، التفاوض لحل الخلاف، التفاوض لمواجهة الضغوط الداخلية والخارجية،التفاوض الوقائي، التفاوض من أجل الوساطة (أي لعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر )،التفاوض لأجل التفاوض، وأسباب هذه الاخيرة عديدة منها لشراء الوقت، خفض الضغوط، لعبة إلقاء اللوم، كسب المعلومات، تأكيد المكانة والاعتبار الدولي لهذه الوحدة السياسية أو تلك.
ويقسم عراقجي المفاوضات السياسية إلى المفاوضات الثنائية أو متعددة الأطراف، المفاوضات الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية، المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، المفاوضات السرية وشبه السرية وغير السرية. ويعبر عنها بـ “المفاوضات المركبة”
الباب الثالث من كتاب قوة التفاوض كان بعنوان “المفاوضات السياسية والقوة الوطنية”.
يتحدث فيه عن مواصفات المفاوض الناجح ومنها: أن يتجهز ويتمكن من المهارات التفاوضية الأساسيةمثل قوة البيان والاستدلال والتعبير والذكاء والتدبير والتجربة وقدرة التأثير، إلا أن المحرك الأساسي لديههو دائماً القوة الوطنية لدولته ومقوماتها مثل الإمكانات الدفاعية والسياسية والاقتصادية والعلميةوالخطابية والاعلامية والدبلوماسية،
يضع عدداً من العوامل التي مكّنت المفاوض الإيراني من تحقيق الاتفاق السابق، يضع عاملاً عادة لاتضعهالدول في حساباتها والذي سمّاه بالإيمان والجوهر الإيماني المبني على الفكرة ذات الدوافعالعقائديةوالوطنية.
وهنا يشير عراقجي إلى نقطة مهمة جداً لدى المفاوض وهي إيمان المفاوض بقضيته ووطنه
وعن القوة الوطنية التي يذكرها في بداية حديثه يصنفها إلى أربعة أشكال: القوة الصلبة والقوةالناعمةوالقوة المعنوية والقوة الذكية، ترفدها عوامل الجغرافيا والموارد الطبيعية والسكان والقدرةالعسكريةوالتنمية الاقتصادية والعلم والتقنية والتربية والتعليم والثقافة والتاريخ،
ويأخذ المفاوضات بين إيران ومجموعة خمسة +1” والتي أدت إلى ولادة الاتفاق النووي عام 2015، مثالاً للقوة الوطنية .
ربما يرى القراء ان الكتاب يغلب عليه الطابع الأكاديمي الجامعي، ولكن مع عرض تجارب ومعلوماتمنوحي تجربة التفاوض النووي السابق مع الولايات المتحدة، كما اسلفنا في بداية. العرض ، وهنا يمنح المؤلف القارئ شعوراً بالدهشة والتقدير من خلال متابعة دهاليز عمل المفاوض وفنون الدبلوماسية(الكفاءة ولغة الجسد والتعبير إلخ..).
ولا يخلو الكتاب من مشاهد واحداث حيه وربما طرائف وقعت للسيد عراقچي ، ومنها قصة القلم فيأثناء المفاوضات السابقة وتتعلق بانفعال وزير خارجية أميركا الأسبق جون كيري عندما ضرب بيدهعلىالطاولة فطار القلم الذي أمامه ليصطدم بوجه عراقجي ، فما كان من الأخير إلا أن حمل قلمهورماهبوجه جون كيري، لكن كيري اعتذر وأوضح أن تصرفه كان غير مقصود ويختم وزير الخارجيةالإيراني هذا الباب ويقدم مجموعة من الإرشادات والنصائح ويقول : يجب علي المفاوض ان يمتنع عناطلاق الاقتراحات المتطرفة كي لا يحصل تنازل تدريجي باتجاه الأقل والأقل، كذلك ينصح بعدم إطلاقالتهديد والكلام الفارغ وبخاصة إذا لم يكن بمقدور مطلق التهديد تنفيذه، مستشهداً بسيف السامورايوخنجراليمني، ناقلاً ما ذكرته مساعدة كيري ورئيسة الوفد الأميركي المفاوض ” ويندي تشيرمان ” فيكتاب مذكراتها من أن عراقجي “يتمتع بهدوء ورباطة جأش فولاذية وثابتة أكثر من أي شيء آخر إذ كانيجعلنا جميعاً غاضبين على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات”، على عكس ما نُقل عن كيري، فياجتماعاته مع الوفود العربية لأجل سوريا حين قال إن العرب “يتعبون بسرعة، وبعد فترة يقبلون بأي ماتقوله” (ص195 من الهوامش). ***
الباب السادس والأخير من الكتاب عنوانه “مساومة البازار: نهج إيرانالتفاوضي”، المتعارف عليه عالمياًأن أسلوب تفاوض الإيرانيين شبيه بأسلوب تجار البازار، بما يعنيالمساومة المتواصلة والدؤوبة،ويسمونها أيضاً بأسلوب مساومة تاجر السجاد. هذا الأسلوب عبارة عن عملية من التفاعل تحتاج إلى صبر كبير ووقت وثمن ضخم وخلالها من يتعب أولاً ويمل سيكون هو الخاسر.. في هذا السياق، يروي عراقجي أن والده أخبره بقصة مفادها أن “بائعاً خرج من متجره لغرض ما، وفي ذات الوقت جاء أحد الزبائن، فلم يستطع عامل المتجر تلبية رغبات الزبون. وعندما عاد البائع وعلم بأن الزبون خرج، أمسك وزنة الميزان الحديد ، وكسر ساقه حتى لا يغادر المحل مرة أخرى”. بناءً على تلكالقصة، يشرح الوزير الإيراني القواعدوالأصول التي تُوصي طهران بها دبلوماسييها في مختلف المحافلالسياسية الدولية. ويورد عراقجي أيضاًحادثة تُلخص عنوان كتابه “قوة التفاوض” عندما أدى بصلابته ومثابرته وأناته أن يتسبب لرئيسة الوفدالأميركي للمفاوضات ويندي تشيرمان “أن غضبت وانهارت دموعها بشكل لا إرادي”. يقول كانت تلك هيالمرة الأولى التي أرى فيها مفاوضاً يبكي أثناء المفاوضات . في هذه الحادثة كانت جميع الأطراف(الخمسة زائداً واحد وبينها فريق المفاوضات الأميركي) تقترب منالإعلان عن توقيع الاتفاق (2015)،ولكن عراقجي عندما سألته شيرمان هل أنت موافق على الاتفاق قاللها “نعم.. ولكن”، عندها انهمرتدموعها وقالت له: “أنتم دائماً تطلبون المزيد”. ويستعين عراقجي بتغريدة للوزير الأسبق محمد جوادظريف بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 قال فيها إن فن الدبلوماسي “يكمن في أن يخفي دهاءه كلهخلف ابتسامته”..
الخلاصة، يمكن القول إنه كتاب قوة التفاوض يعكس حقيقة الفكر التفاوضي لدى الوزير عراقيين ،لذافإن الإطلاع عليه جديرٌ بالأهمية لكل من يريد أن يُشكّل تصوراً ذهنياً عن العقل الإيراني الذييفاوضفريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالياً.
وأيضاً يمثّل سياقات ثقافية تعكس البيئة الحاضنة للتفاوض وأطرافه في بوتقة صاهرة فيالميزانالسياسي، وحتى شخصياته من حيث اتجاهاتهم وميولهم. ولهذا، أصبح التفاوض ركناً أساسياًفيمسارات الديبلوماسية الحديثة عبر مدرسة منهجية خاصة يتم توظيفها عبر صناعة فرق متخصصة،تبدأبكبير المفاوضين وتنتهي بالخبير النفسي الذي يشارك في تحليل الفريق المنافس.
وإن اختلفت الصيغ العامّة لإستراتيجيات التفاوض، يبقى الجوهر هو البحث عن الحلول الوسطلإنهاءالصراعات أو للوصول إلى مكاسب معيّنة، لهذا بات تقييم صنّاع القرار على المحك عبر مفاوضيهم،أودور جهازهم التفاوضي خلف الأبواب المغلقة. وحين نتحدّث عن المفاوض الإيراني، فإنه يمثّلمدرسةمختلفة وخاصة، هكذا حدّثني أحد الديبلوماسيين العراقيين عن المفاوض الإيراني الذي لا يكلّولا يتعبفي حواره، وفي نفسه الطويل، في سبيل تحقيق النتائج والأهداف. وربما هذا ما شاهدته بعينيفيالمفاوضات الإيرانية مع مجموعة الخمسة زائداً واحداً التي جرت إحدى جولاتها في بغداد.
ويبدو أنه حصيلة تراكمية، بل على ما يبدو إنه نجاح الشخصية الإيرانية الممزوجة بين الثقافة الإسلامية وبين الأبعاد الحضارية لإيران. المقياس الصعب في عالم التفاوض هو المتعلّق بتعبير “ونستون تشرتشل” : «لا يمكنك التفاوض مع النمر عندما يكون رأسك في فمه». ويبدو في المفاوضات الحالية في سلطنة عمان ذلك: الأنياب المعارضة للتفاوض تحاول تجسيد رفضها بقوة في ظل المفاوضات بلغة التجار؛ لأنها بين تاجر العقار” ستيفن ويتكوف” ، وابن تاجر السجاد “عباس عراقجي” الذي يبدو أنه يفهم هذه اللغة أيضاً.
