د. سهير عمارة / كاتبة مصرية
حين شاهدتُ فيلم 200 جنيه، لم أرَ عملاً فنيًا يكتفي بسرد قصص أشخاص عابرين. رأيت عملاً يفضح مرضًا عضالًا تسلل إلى ضمير مجتمعنا، حتى بات يوشك أن يقتله ببطء.
هذه الورقة النقدية، التي تتنقل بين الأيدي كالعدوى، كانت بطلة حقيقية تفضح هشاشة النفوس وخواء القيم. لم تكن قطعة ورق، بل كانت شهادة وفاة مكتوبة على جبين جيل بأكمله، جيلٍ ضائع بين الحلال والحرام، بين الطموح الشريف والسقوط الأخلاقي.
تبدأ الحكاية من فقرٍ مدقع، من أناس لا يملكون قوت يومهم، فيمدّون أيديهم إلى أي وسيلة.
ثم تنحرف الحكاية إلى شاب ضائع يظن أن المال وحده يداوي عجزه، فيقبل أن يدوس على مروءته، أو يشارك في جريمة، أو يبيع آخر ذرة كرامة.
ثم تنتهي عند نخبة تتظاهر بالفضيلة بينما يدها ملوثة بأبشع صور النفاق والفساد.
الدراما المصرية تُجسد الواقع
الفيلم لا يجمّل شيئًا، بل يضعك أمام مرآة مكسورة تريك بشاعة الصورة من كل زاوية:
• رقص مبتذل صار يفرض نفسه على عيوننا وأولادنا.
• عري كامل يقال عنه “فن” وهو في حقيقته إهانة لحياء المجتمع.
• شباب يبيعون أنفسهم على الأرصفة ويقولون: “ليس لنا خيار”.
• أغنياء يبتسمون أمام الكاميرات ويقدّمون الفتات للفقراء ثم يسرقون أضعافه خلسة.
وهنا تحديدًا تكمن مأساة الواقع:
الناس جميعًا صاروا يركضون خلف هذه الورقة اللعينة، يتصارعون عليها حتى ينسوا من يكونون. صار المال وحده بطاقة المرور إلى احترام الناس، وصار الضمير عبئًا ثقيلًا يجب التخلص منه إن أردت “النجاح”.
200 جنيه لا تشتري فقط السلع، بل تشتري أيضًا الصمت، والذمم، والقلوب الضعيفة.
الكل يطالب بحقه، ولا أحد يسأل نفسه: بأي وسيلة؟ بأي ثمن؟
الكل يلعن الفقر، ولا أحد يفكّر أن الفقر الأكبر هو فقر الأخلاق.
⸻
بين الطبقات… انكشاف الأقنعة
الفيلم يفضح الطبقية المتعفنة التي صارت كالهواء المسموم:
• طبقة تتظاهر بالرقي لكنها لا ترى الفقراء إلا أرقامًا في إحصائيات.
• طبقة وسطى ضائعة، تحلم بأن تصير غنية بأي ثمن.
• طبقة مسحوقة لا تملك إلا الحلم، وأحيانًا تسرقه من غيرها لتعيش يوما آخر.
وما يزيد الغصّة أن الكل ينظر للآخر بازدراء:
الغني يحتقر الفقير.
الفقير يكره الغني.
والاثنان يرمقان بعضهما بتهم متبادلة، كأنما أحدهما بريء من عفن الواقع.
أما الشريحة الأخطر فهي تلك التي تقف في منتصف الطريق: لا تملك شجاعة الفقراء ولا نزاهة الأغنياء، فيتقنون التلون والتسلق والنفاق ليحظوا بنصيبهم من الورقة الملعونة.
⸻
الخير… آخر حصوننا المهددة
وسط هذا الطوفان، يلمح الفيلم لحظات خير عابرة: فقير يمد يده بكسرة خبز لجائع، أم تحضن ابنها رغم العوز، شاب يرفض الانزلاق في الخطأ ولو جاع.
لكن هذه اللحظات قصيرة، هشة، تكاد تضيع في الزحام.
الفيلم يقول لنا بوضوح: إن لم نحمِ هذه الفتات من الرحمة، فالقادم سيكون أسوأ بكثير.
⸻
رأي في كتابة القصة
في تقديري، 200 جنيه ليس فيلما عاديًا. إنه جرس إنذار يدق بقسوة في آذاننا.
إنه عمل يقول لكل واحد منا: لا تتوهّم أن بناء الأبراج والطرق سيجعلنا أمة عظيمة إذا كانت عقولنا خربة وقلوبنا فارغة.
إن أخطر ما كشفه الفيلم أن الناس في مصر اليوم يربطون قيمة الإنسان بحجم ما في جيبه، لا ما في عقله ولا ما في قلبه.
صرنا نمنح التقدير لمن يملك المال، ولو جمعه من فساد أو فجور.
صرنا نخشى العوز أكثر مما نخشى أن نكون بلا مبدأ ولا حياء.
صرنا ننسى أن الأصل في بناء المجتمعات هو: العدل، والرحمة، والضمير.
للأسف، نحن مجتمع يظن أن التطوير هو عمارات شاهقة وكباري لامعة بينما العقل مسموم، والأخلاق في هبوط حر.
إن هذه الـ200 جنيه كشفت أن ثروتنا الحقيقية ليست في خزائن البنوك، بل في خزائن الأخلاق التي نتركها خاوية.
⸻
ختامًا…
إن فيلم 200 جنيه لم يكن مجرد شاشة تعرض قصصًا عابرة، بل كان مرآة عملاقة وضعتنا جميعًا أمام حقيقتنا الموجعة: نحن مجتمع يركع أمام المال، يقدّس الواجهة، ويتجاهل أصل البنيان.
اليوم، صرنا نرفع الأبراج وندفن في أساسها أخلاقنا. نبني المدن ونترك عقولنا خاوية من القيم. نعلّم أبناءنا أن النجاح هو رصيد بنكي، لا رصيد ضمير.
هذه الورقة اللعينة —200 جنيه— كشفتنا عرايا من الداخل أكثر مما عرّانا الرقص المبتذل والعري الفج. وكأنها تهمس لنا في كل مشهد:
“كل ما بنيتموه على الزيف سينهار… كل ما اعتبرتموه مجدًا سيصير وصمة عار… وكل من باع ضميره ليكسب مالًا سيكتشف في النهاية أنه أفقر الناس.”
إن بناء وطن حقيقي لا يبدأ بمشروعات تُفتتح أمام الكاميرات ولا احتفالات تُقام لطمس العجز، بل يبدأ حين نقف في وجه أنفسنا ونسألها:
هل ما زلنا نعرف معنى العدل؟ هل ما زلنا نعرف الحلال والحرام؟ هل ما زال فينا قلبٌ لا يشترى ولا يباع؟
وحتى يحدث هذا الصحو، ستبقى الـ200 جنيه تدور… لا لتغني أحدًا، بل لتفضحنا واحداً تلو الاخر
بقلم د. سهير عمارة
