قصة قصيرة
د. عادل جعفر
استشاري الطب النفسي
لم تكن تالا عمران من النَّوع الذي يُؤخذ بالكلمات.
كانت طبيبة أورامٍ في مستشفى حكومي، تعمل ساعاتٍ طويلة، تكتب تقاريرَها بنفسها، وتُصرّ علىمشاهدةِ مرضاها في اليوم أكثر من مرّة.
عرفها الجميعُ بعِلمِها ونزاهتِها، وبصمتٍ ناضجٍ لا يثقُ بالتصفيق، ولا بالتصوير.
حين تزوَّجتْ من الوزيرِ الشابِّ رائد زين، قيل إنها أضاعَت صورتَها النقية.
لكن الحقيقة أنها ظنَّت أنّها ستُنقذه من وحلِ السياسة، أو على الأقل، تخلُق مساحةً نظيفة حوله.
شهورُ الزواج الأولى كانت هادئةً، باردةً، محسوبة.
كان رائد يخرج كثيرًا، ويسافر كثيرًا، ويتحدث بلغةٍ منتقاة، كأنها خرجَت من بيانٍ وزاري.
ذاتَ مرة، سألتْه:
ــ “كيف تنام؟ وأنت تعرف ما يحدث؟”
فأجاب مبتسمًا:
ــ “أنا لا أُفسِد… أنا أُساير. والفَرق بين الاثنين مثل الفرقِ بين الجرَّاح والقاتل.”
بعد عامٍ من الزواج، طلبت الطَّلاق.
كان القرار بسيطًا، بلا ضجَّة. غادرتِ البيت، وعادت إلى عملها، لكن شيئًا ما انكسر فيها.
بعد الطلاقِ بأشهر، جاءت دعوةٌ غامضة من مؤسّسةٍ دوليّةٍ تعمل في مجالِ الصحّة الوقائيّة.
كان العرضُ مغريًا: إدارة مشروعٍ توعويٍّ كبير، بإشرافٍ مباشرٍ من جهاتٍ دولية.
رفضت أولًا.
ثم جاءت دعوةٌ أخرى، بشكلٍ مختلف: ندوة.
ثم تدريبٌ في الخارج.
ثم منحة.
لم تكن تدري أنَّ “المؤسسة” ليستْ سوى واجهةٍ ناعمة، لتحريكِها تدريجيًّا إلى الداخل.
دخلت…!
في البداية، كان كلُّ شيءٍ قانونيًّا. نظيفًا. مُشرّفًا.
كانت تُنقَل من منصبٍ إلى آخر، برقيّاتِ ثناء، لقاءاتٍ رسمية، كاميرات.
كانت تُكافأ دائمًا، رغم أنها لم تفعل سوى ما تظنّه واجبًا.
ثم بدأت الامتيازاتُ تكبُر:
بيتٌ على حسابِ الجهة المموّلة.
سائق.
ميزانيةٌ مفتوحةٌ للتنقُّل.
جوازٌ دبلوماسيٌّ كان يُمرِّرها بصمتٍ في الممرّاتِ الدبلوماسية… فلا تُفتَح الحقائب، ولا تُطرَح الأسئلة.
تساءلتْ مرةً:
ــ “مَن يُموّل هذا المشروع أصلًا؟”
قيل لها:
ــ “شركاءُ من القطاع الخاص… لا تقلقي، كلُّ شيءٍ شفاف.”
وحين سألتْ أكثر…
قيل لها:
ــ “لم نعتدْ أن تُسأل هذه الأسئلة من قادةِ المشاريع.”
مرّت سنوات، دون أن تنتبه أنها لم تَعُدْ تسأل.
ثم بدأتْ ترى ما يُشبه الفساد… لكنه دائمًا مُغلَّف بلُغةِ الخير:
صفقةُ دواءٍ مرتفعةِ السعر – لكن بحجّةِ أنها أسرعُ وصولًا.
مخازنُ تُباع لمتعهدين “بشروطٍ صحية” – لكنها تدرّ أرباحًا على مَن رشّح المتعهد.
دوراتٌ تدريبيّة في باريس – يحضرُها موظفون لا علاقة لهم بالطب.
وهي؟
كانت في القِمّة.
ترتدي أجملَ الثياب، تسكن في بيتٍ يُطلُّ على دجلة، وتُستقبَل كوزيرةٍ دون حقيبة.
في البداية… قاومت.
لكن مع الوقت، أصبحت جزءًا من الصيغة.
كانت تُقنِع نفسها دائمًا:
ــ “أنا لم أسرق… أنا فقط مشيتُ بجانب الخطِّ الأحمر، دون أن ألوّث قدميَّ.”
حتّى جاء ذاك اليوم.
وصلها ملفٌّ سريٌّ عبر ساعٍ لا تعرفه، يحمل خَتْم جهةٍ أمنيّةٍ عليا.
وفيه… كلُّ شيء.
منذ البداية.
من أوَّل عرض.
من أوّل ندوة.
وثيقةٌ بعد وثيقة تُظهر أنَّ المشروع كان واجهةً، وأن اختياراتِها كلَّها كانت موجَّهة، وأن الأشخاص الذينأوصلوها لما هي عليه… لم يأتوا من فراغ.
وفي الصفحة الأخيرة، كان هناك توقيعٌ واحد:
رائد زين
وتحته بخطِّ يده:
“أردتُ فقط أن أريكِ، يا تالا، أن هذا البلد لا يحتاجُ إلى الشيطان لِيُفسد قلبًا نقيًّا…
كلُّ ما يحتاجه هو عرضٌ لطيف، ووقتٌ كافٍ.”
وقفتْ أمامَ النافذة.
شعرت بشيءٍ ينهارُ ببطء.
لم تبكِ. لم تصرخ.
فقط جلست على الكرسي، وأمسكت المرآة الصغيرة من حقيبتها.
نظرت إلى نفسها طويلًا، ثم همست:
“كان يمكن أن أقول لا… لكنني قلت نعم، بصوتٍ ناعم، وابتسامةٍ واثقة.
لم يُغوِني أحد… أنا التي مشت برجليها.”
ثم أغلقت المرآة.
وفي العتمة… بقيت صورتها واقفةً في الداخل،
كأنها تُشاهد نفسَها، وهي تُوقّع، على آخر صفحةٍ في روحها.
