لمش ١١٤ – الجزء ٣١ / د. احمد مشتت

أصدرت القيادة العامة عفوًا عن الأكراد، وسمح للعوائل التي هجّرت أثناء معارك الأنفال بالعودة. عادالقرويون عبر الحدود، لكن تمت مصادرة مصادر رزقهم من الأغنام والماعز. كانت قيادة اللواء ترسل هذهالغنائم إلى بيوتهم في بغداد وديالى على متن طائرات الهليكوبتر التي كانت تأتي صباحًا محمّلة بالأرزاق.

وبعد ذلك، أصبحت موائدهم عامرة باللحم المشويالهبيطفي وجبات الغداء والعشاء. كان الرفيقعيسى يضحك بصوت عالٍ، دلالة على انتعاشه، وصدى ضحكته يتردد بين الجبال القريبة. أما نحن، فعُدناإلىعروگ شمووطماطة خليل”. انضم فصيل الطبابة الى باقي الجنود في قطف اثمار الحوز منالاشجار الباسقة. مضى على إجازتي الاخيرة بضعة اشهر وكنت قد طلبت من آمر سرية المقر ان يوافقعلى إجازتي التي كنت استحقها ولكن الامر تاخر بسبب الحركة الاخيرة.

وأخيرًا جاء الفرج بمنحي إجازتي الدورية.

كانت الساعة الرابعة عصرًا حين وقّع آمر سرية المقر ورقة الإجازة. نصحني كريم بأن أتريث حتى الصباحوأذهب إلى سيدكان بطائرة الهليكوبتر، إذ لا توجد أية وسيلة برية من مقر اللواء إلى هناك. لكنني صممتعلى المغادرة في تلك اللحظة. كنت خائفًا من أن يحدث شيء ما وتُلغى الإجازات، وكان هذا أمرًا واردًاجدًّا أيام الحرب.

قلت لنفسي: سأمشي سيرًا على الأقدام إلى نقطة تجمع الآليات، ومن هناك أُدبّر أمري إلى سيدكان. غادرت بحقيبتي الصغيرة، ولم تكن معي خارطة، ولا حتى صورة ذهنية للطريق.

بعد نحو ثلاث ساعات، بدأت أدرك أنني تهت في سلسلة الجبال، ولم أعد قادرًا حتى على العودة إلى مقراللواء. بدأت الشمس تغرب، وبدأ القلق يتسلل إليّ. ماذا أفعل؟ هل أستمر في السير بلا وجهة واضحة؟أم أتوقف وأنتظر حتى الصباح؟ لم يكن أي من الخيارين عمليًا، خاصة مع وجود الدببة والذئابالمتوحشة في هذه الجبال.

كان علي أن أستمع لنصيحة كريم، فهو حكيم في كل شيء.

فجأة، سمعت صوت تراكتور زراعي، ولمحت شيخًا وصبيًّا على متنه. لم أكترث إن كانوا من الأكرادالمعادين للسلطة أم من الموالين، الذين كانوا يُسمَّون بـالجحوش”. لم أكن أفهم من اللغة الكرديةسوى بضع كلمات. أوقفت التراكتور وقلت بالكردية:

أنا دكتور.”

أشار إليّ الشيخ بالصعود معهم في خلفية التراكتور، ومضينا دون تبادل أي حديث. كان واضحًا أنهم لايفقهون العربية.

بعد نحو ساعة، وصلنا إلى مقر إحدى وحدات الجحوشالقوات الموالية للسلطة. تبادل الشيخ معهمبضع كلمات، وأشار إليّ. كان من بينهم من يتحدث العربية، فشرحت لهم أنني تهت، وأني أنوي الوصولإلى سيدكان، ومن هناك إلى مركز أربيل، للسفر إلى بغداد.

قالوا لي إن من الأفضل الانتظار حتى الصباح. جاؤوني بخبز كردي ولبن، وأعطوني شرشفًا فرشته علىالأرض للنوم. لكنني لم أغمض جفني طوال الليل، خوفًا وحذرًا.

عند الصباح، جاءت سيارة جيب، وأشار إليّ السائق أن أذهب معه. أوصلني إلى نقطة تجمع الآلياتالعسكرية التي ذكرتها سابقًا. ومن هناك، ساعدني أحد الضباط، حتى وصلت أخيرًا إلى سيدكان عندمنتصف الظهيرة. كنت مجهدًا من قلة النوم وكثرة السير.

حين وصلت إلى أربيل، كان المساء قد حل. أكلت كبابًا وخبزًا ولبنًا في مطعم قريب من كراج السياراتالرئيسي، ثم صعدت إلى الحافلة المتجهة إلى بغداد.

وصلت دارنا عند منتصف الليل، وتفاجأت أمي كثيرًا، ولم تصدق أنني أقف أمام باب بيتنا، تغطي بدلتيالعسكرية طبقات من التراب. كان في حضنها دفء وطمأنينة أعاداني إلى الحياة دون عناء.

نسيت الخطر، وأركنت الحرب في جارور صغير في دماغي، وأقفلت عليه.

لديّ خمسة أيامبعد أن أضعت يومًا كاملًا في الطريقلأحيا من جديد. سألبس بنطالًا وقميصًا غدًا،وأسرّح شعري، وأمضي في أحضان مدينتي الأثيرة: بغداد

يتبع


مشاركة المقال :