علي العامر
لم يكن خروج منتخب العراق للناشئين تحت 17 عاماً من كأس الخليج المقامة في قطر مجرد إخفاق عابر في بطولة إقليمية، بل كان مرآة كاشفة لأزمة مزمنة تضرب أساس الكرة العراقية: المجاملة في تعيين المدربين على حساب الكفاءة.
المنتخب الذي دخل البطولة بطموح المنافسة، خرج من الباب الضيق وبأرقام لا تليق بسمعة الكرة العراقية. خسارة افتتاحية أمام اليمن بهدفين دون رد، ثم فوز يتيم على الكويت بثلاثية نظيفة لفرحنا للحظات، قبل أن تأتي الصدمة الكبرى بخماسية نظيفة أمام مصر وفي الجولة الرابعة، ليودع البطولة نهائياً بعد الخسارة أمام السعودية بهدف قاتل في الدقيقة 88، ويتجمد رصيده عند 3 نقاط في المركز الرابع.
النتائج ليست صدفة.. بل نتيجة تراكم
من يتابع مسيرة منتخبات الفئات العمرية في الأشهر الأخيرة يجد نفس السيناريو يتكرر. منتخب الأشبال تحت 15 عاماً أنهى مشاركته في مهرجان الفيفا في أذربيجان بالمركز 62 من أصل 189 منتخباً بعد خسارته أمام هايتي بثلاثية، وخسر قبلها أمام مصر 4-1. هذه ليست نتائج فردية، بل مؤشر خطير على انهيار منظومة الكرة برمتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه في كل مرة: كيف يتم اختيار مدربي هذه المنتخبات؟
هل أصبح كرسي التدريب بـ«التوصية» أم بالسيرة الذاتية؟
في العراق، أصبح تدريب منتخبات الناشئين والشباب أشبه بـ«مكافأة نهاية خدمة» أو «ترضية» لأسماء مقربة من دائرة القرار في اتحاد الكرة. مدربون لم يثبتوا أي نجاح في فرق الدوري، ولا يملكون شهادات تدريبية متقدمة، ولا يملكون حتى مشروعاً فنياً واضحاً لتطوير اللاعب، يجدون أنفسهم فجأة على رأس منتخب يمثل مستقبل البلد.
المعايير التي نسمع عنها في المؤتمرات الصحفية أو في البرامج الرياضية عن الخبرة في الفئات العمرية والإلمام بالتحليل الفني الحديث، تتبخر عند أول اجتماع مغلق. المعيار الحقيقي يصبح في خبر كان، ويبقى السؤال: من وكيف تم ترشيحه؟
كيف نطالب لاعباً عمره 16 عاماً بالانضباط التكتيكي والضغط العكسي والتحولات السريعة، ومدربه نفسه لم يواكب كرة القدم منذ اعتزاله قبل أعوام؟ وكيف نطلب منه الثقة والشخصية وهو يرى مدربه مرتبكاً أمام كاميرات البطولة، عاجزاً عن قراءة مباراة خسرها بخماسية أمام منتخب مصري منظم؟ فما هو المطلوب إذن؟
إصلاح منتخب الناشئين لا يبدأ من معسكر تدريبي في دول متطورة، بل يبدأ من قرار شجاع:
أولاً: لجنة فنية مستقلة لاختيار مدربي الفئات العمرية، تضم خبراء محايدين، وتعلن السير الذاتية للمرشحين للرأي العام قبل التعيين.
ثانياً: عقود مبنية على الأهداف وليس على الولاء. مدرب الناشئين يجب أن يُحاسب على عدد اللاعبين الذين يصعّدهم للشباب، وعلى تطور الأداء، لا على نتيجة مباراة ودية.
ثالثاً: إيقاف تدوير نفس الأسماء. الكرة العراقية ولّادة، لكننا نصر على إعادة تدوير أسماء فشلت في كل محطة دربوا بها.
منتخب الناشئين اليوم خسر بطولة، لكن الخطر الأكبر أننا نخسر جيلاً كاملاً. فاللاعب الذي يتربى على يد مدرب جاء بالمجاملة، سيتعلم أن المجاملة هي طريق النجاح. وعندها لن نخسر 5-0 أمام مصر فقط، بل سنخسر مستقبل الكرة العراقية كلها.
هل يملك اتحاد الكرة الشجاعة لفتح ملف التعيينات؟ أم أننا سننتظر خيبة جديدة في البطولة القادمة لنكتب نفس المقال؟
