ألقى بقميصه الأخضر على عيون الوطن… فارتد بصيراً

شلال الطائي

في جغرافيا الوجع العراقي ، تبرز مفارقة صارخة تقسم المشهد إلى ضفتين ، ضفة خضراء يعشب فيها الأمل كلما ركض ” أسود الرافدين ” خلف كرة مستديرة ، وضفة أخرى غارقة في الحسابات الضيقة التي لم تجلب للوطن سوى الشحوب . وكأن هذا المنتخب، بتنوع أطيافه التي تذوب في قلب واحد ، قرر أن يتقمص دور البشير، ليلقي بقميصه الأخضر على عيون الوطن المجهدة من غبار المعارك والنزاعات ، لعلها ترتد بصيرة ، فترى في وحدة اللاعبين ما عجزت عن رؤيته في دهاليز السياسة .
شتان هنا بين من يصنع هذه الفرحة الشافية ، وبين من يغرز خنجراً مسموماً في خاصرة الوحدة ليترك جرحاً أبدياً لا يكف عن النزيف.
حين يرتدي لاعبونا قميص الوطن ، تتلاشى الهويات الفرعية عند خط التماس ، وتتحول الملاعب إلى “لوحة من فسيفساء ” حي يختصر العراق كله في أحد عشر مقاتلاً.
هناك، لا يَسأل البصري عن مذهب المهاجم ، ولا يبحث الكردي عن قومية الحارس ، بل تذوب الانتماءات في صرخة واحدة تهز أركان الروح . هؤلاء الفتية يقدمون درساً بليغاً في الهوية الوطنية الشاملة ، حيث يمرر العربي للتركماني ويحمي السرياني ظهر الكردي ، في سيمفونية عفوية تداوي انكساراتنا اليومية وتثبت أن الوحدة ليست شعاراً زائفاً ، بل هي ركضة صدق نحو هدف مشترك يجمع شتات القلوب .
وعلى النقيض تماماً، يطل المشهد السياسي كمرآة مشروخة ، حيث تحول التمثيل إلى تقسيم ، واستُبدل العطاء بالاستحواذ ، فبينما يبني اللاعبون جسوراً من المحبة العابرة للمدن ، يمارس بعض السياسيين لعبة الغرز والتمزيق، محولين السياسة إلى أداة لزرع العثرات وتعميق الفجوات بين أبناء البيت الواحد لأجل مكاسب فئوية ضيقة . إنهم يزرعون الخيبة حيثما نبت الأمل ، ويراهنون على الفرقة في الوقت الذي يراهن فيه شبابنا على الالتحام والوفاء للوطن وحده .
إن الفارق بين صُنّاع الحياة وزرّاع الأزمات هو الفارق بين من يمنح الوطن روحه ليرتفع العَلم عاليا ، ومن يستغل اسم الوطن ليحقق مآربه . سيبقى قميص المنتخب هو ” القميص اليوسفي ” الذي ننتظره لتبرأ عيوننا من عتمة الخلاف ، والأنموذج الذي يبرهن أن هذا الشعب يمتلك قلباً واحداً ، وأن كل الخناجر المسمومة ستتحطم أمام صخرة الانتماء التي يسيجها عرق المخلصين في ميادين الشرف الرياضي.


مشاركة المقال :