صمود وتطوير آفاق التعليم بين العراق وسوريا

اماني المانع

يقف قطاع التعليم في العالم العربي اليوم على مفترق طرق مصيري أعاد تشكيل أولويات البناء الإنساني، حيث تختزل التجربتان السورية والعراقية هذا المخاض الاستثنائي، وتجسدان قدرة المنظومة التربوية على الصمود والعبور من ركام النزاعات إلى آفاق الحوكمة والتحول التكنولوجي. ويرتبط رقي التعليم في منطقة الشرق الأوسط ارتباطا وثيقا بمستوى الاستقرار السياسي؛ إذ تؤكد تقارير اليونسكو الإقليمية الصادرة عام 2026 أن امتداد الاضطرابات لم يعد مجرد تحد عابر، بل تحول إلى صدمة هيكلية وجودية خلفت زهاء 30 مليون طفل خارج المقاعد الدراسية نتيجة الأزمات الممتدة وموجات النزوح العكسي التي أثقلت البنى التحتية. كما تظهر الدراسات الأكاديمية لعام 2024 أن هذه الاضطرابات تسببت في نزيف حاد لرأس المال البشري إثر الهجرة الجماعية للكوادر الأكاديمية وتراجع معدلات إتمام التعليم الأساسي.
وفي المشهد العراقي الذي عانى من ارتدادات أمنية وسياسية مزمنة تركت ندوبا عميقة في مخرجاته المعرفية، تحول النظام التعليمي من أحد أفضل الأنظمة في المنطقة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى مؤسسة أنهكتها عقود الحروب والحصار وأحداث ما بعد عام 2003. وأدى ذلك إلى عجز القطاع عن مواكبة النمو السكاني والنقص الحاد في الأبنية المدرسية، مما اضطر آلاف المدارس لاعتماد نظام الدوام الثنائي. ورغم هذه التحديات المركبة، وقد خاض العراق عام 2026 خطوات حثيثة نحو التعافي الشامل؛ حيث أطلقت وزارة التربية مخرجات الاستراتيجية الوطنية للتعليم (2022-2031) لتحديث السياسات وحوكمة القطاع، وتجلى ذلك في افتتاح عشرات المدارس النموذجية المنجزة ضمن مشروع القرض الصيني والشراكات الدولية لتفكيك أزمة الاكتظاظ. وتزامن ذلك مع تحقيق حملة “العودة إلى التعليم” بالتعاون مع اليونيسف قفزة نوعية بإعادة أكثر من 92 ألف طفل متسرب واستهداف دمج 150 ألفا آخرين، بالتوازي مع التوسع في المنصات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وعلى الصعيد السوري، واجه القطاع التعليمي عقب عام 2011 انتكاسة بنيوية وفكرية خطيرة رافقها تسرب مدرسي طال زهاء 2.5 مليون طفل. وتسبب القصف وعسكرة المنشآت في خروج أكثر من 40% من المدارس عن الخدمة أو تحويلها لمراكز إيواء، إلى جانب تدهور الاستقرار النفسي للطلاب، حيث أظهرت دراسة مشتركة لجامعتي دمشق وأوكسفورد بنهاية عام 2024 أن 60.6% من الطلبة عانوا من أعراض الاكتئاب والضغط النفسي. ومع استقرار الأوضاع الميدانية، حظي الملف التربوي بأولوية وطنية قصوى لإعادة بناء الإنسان، وهو ما وثقه تقرير مركز كارتر (أبريل 2025) برصد تنقية المناهج من الأدبيات الأيديولوجية واعتماد معايير التفكير النقدي وقيم المواطنة. وتشهد البيانات الرسمية لوزارة التربية السورية لعام 2026 قفزات نوعية في التحول الرقمي وأتمتة الإدارة بالكامل لإلغاء المعاملات الورقية، مع إحداث “المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة” لتدريس المتميزين تخصصات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وهندسة البرمجيات لربط التعليم الثانوي بالبحث الجامعي.
كما أعلنت الوزارة تطبيق مناهج موحدة ومحدثة في المحافظات كافة، مع إجراء تسويات دمج شاملة، ومواصلة ترميم آلاف المدارس لاستيعاب عودة أكثر من 5.2 مليون طالب وطالبة، والتوسع في “منهاج الفئة ب” لاستدراك السنوات الفائتة، فضلا عن التوجه التشريعي والأكاديمي نحو إقرار التعليم الأخضر المستدام. وتتكامل هذه الخطوات مع تدشين شبكة واسعة من المدارس العامة والدولية المزودة بأحدث المختبرات والوسائل الذكية، وإطلاق برامج تدريبية تخصصية لتأهيل المعلمين وفق أحدث المعايير الدولية. وتؤكد التجربتان السورية والعراقية أن الاستقرار السياسي والأمني هو الضامن الأساسي لنهضة المعرفة، مقدمتين أنموذجا ملهما لكيفية تحويل الأزمات الوجودية إلى فرص حقيقية لإعادة صياغة المستقبل المعرفي للمنطقة.


مشاركة المقال :