كان ينبغي أن تقولوا له: شكراً

فلاح الكلابي

ليس ضرورياً أن تكون صديقاً “للدكتور جبار جودي نقيب الفنانين العراقيين” كي تعرف مكانه في الوسط الفني العراقي، ولا أن تتفق معه في كل شيء كي تعترف بأن الرجل لم يكن ضيفاً على هذه المؤسسة، ولم يأت إليها وفي جيبه كتاب تعيين ثم تعلّم أسماء الفنانين في الطريق. دكتور جبار من أهل هذا البيت، عاش مشكلاته، وعرف ناسه، وحمل قضاياه، وحين صار في موقع يستطيع منه أن يفعل شيئاً، فعل. وهذه وحدها مسألة ينبغي ألا تمر بخفة، فالوسط الفني العراقي يعرف جيداً كم من المسؤولين مروا عليه ولم يتركوا وراءهم سوى صورهم في المناسبات، ويعرف الفنان معنى أن يبحث عمن يسمع مشكلة علاجه أو تقاعده أو فرصته في العمل أو كرامته المهنية.

جبار جودي مهما اختلف الناس في تقييم تجربته، كان موجوداً في هذه التفاصيل. لم يكن نقيباً يظهر عند المهرجانات ثم يعود إلى مكتبه، وكان حضوره بين الفنانين سبباً في أن يتحول اسمه عند كثير منهم إلى موضع ثقة، وهذا النوع من المكانة لا تصنعه العلاقات العامة ولا تمنحه الكتب الرسمية.

ولعل بعض الإدارات تنسى أن المؤسسات الثقافية تختلف قليلاً عن مخازن الدولة ودوائر الجباية. الإنسان فيها جزء من رأسمالها، وسمعته وخبرته وصلته بالناس وما بناه خلال السنين ليست أشياء توضع جانباً كلما تبدلت الظروف. تستطيع المؤسسة أن تختلف مع أحد أبنائها، وأن تعترض عليه، وأن تنهي مرحلة وتبدأ أخرى، لكن الطريقة التي تفعل بها ذلك تقول عنها بقدر ما تقول عنه.

والدكتور النقيب ليس بحاجة إلى أن نصنع منه بطلاً كي نقول هذا، ويكفي أن نسأل الفنانين عنه؛ لا الذين عرفوا اسمه من خبر عابر، بل أولئك الذين عاشوا معه تفاصيل هذا الوسط وعرفوه حين لم تكن هناك كاميرات تنتظر عند الأبواب. هؤلاء يعرفون ما حمله من همومهم، والأبواب التي طرقها من أجلهم، والمواقف التي كان موجوداً فيها، ويعرفون أيضاً عيوبه وأخطاءه. ولهذا تكون شهادتهم أثقل من المديح، فهم لا يتحدثون عن صورة معلقة على الجدار، وإنما عن رجل عرفوه واختلفوا معه أحياناً ووقفوا معه كثيراً.

وهنا يبدو أن شيئاً بسيطاً فات الجهة التي تعاملت معه أخيراً. يمكن تغيير المدير، فالمديرون يتغيرون، ويمكن سحب الكرسي، فالكراسي في العراق أسرع الأشياء دوراناً، لكن ثمة فرقاً بين كرسي تمنحه الدولة ومكانة يمنحها الناس. الأول يحتاج إلى توقيع، والثانية تحتاج إلى سنوات. وكان الأجدر بوزارة الثقافة أن تعرف هذا الفرق، وأن تعرف أنها حين تتعامل مع جبار جودي لا تتعامل مع اسم في جدول الموظفين، وإنما مع واحد من أبناء الثقافة العراقية الذين أعطوا لهذا الوسط جزءاً كبيراً من أعمارهم. وليس مطلوباً من الوزارة أن تجامل أحداً، فالمجاملة إهانة من نوع آخر، وإنما أن تحفظ للناس مقاماتهم حتى وهي تختلف معهم.

وفي المسرح عادة جميلة يعرفها جبار جودي أكثر منا. حين ينتهي العرض، لا يغادر الممثل الخشبة كأنه لم يكن فيها؛ يعود مرة أخيرة، يقف أمام الجمهور وينحني، فيرد الجمهور بالتصفيق. قد يكون العرض قد أخفق في مشهد ونجح في آخر، وقد يختلف النقاد عليه صباح اليوم التالي، لكن أحداً لا يبخل على أصحابه بتحية الستار. والعجيب أن مؤسساتنا الثقافية تعرف هذه العادة جيداً على الخشبة، ثم تنساها خارجها.

جبار جودي يستحق تحية كهذه، لا لأنها تمحو اختلافاً، ولا لأنها تجعله فوق الخطأ، وإنما لأن الرجل حين يعطي مكاناً من عمره، يصبح من قلة الوفاء أن نتذكر آخر مشهد وننسى المسرحية كلها.

نحن بارعون، على نحو عجيب، في تكريم رجالنا بعد أن يصبح التكريم بلا كلفة. نطبع صورهم، نستعيد منجزهم، نعدد مواقفهم، ونقول إنهم خدموا العراق والثقافة والفن. عندها تصبح الكلمات سخية جداً، وربما لأن صاحبها لم يعد موجوداً ليسمعها. أما الامتحان الحقيقي للوفاء فيحدث والرجل أمامك، حين يكون قادراً على سماع كلمة التقدير بنفسه.

وجبار جودي ما زال أمامنا.

كان ينبغي أن تقولوا له: شكراً.


مشاركة المقال :