عبد الحميد الصائح
قبل أكثر من ثلاثين عاما كنا شبابا متحمسين نأمل أن تتحرر بلادنا من ديكتاتورية صدام ،وأن يستلم حكم البلاد الخيرون الأمناء الأوفياء الأتقياء العلماء الخبراء المخلصون الأقوياء بالعدالة والحكمة والعلم والحق ، لينتشلوا شعبنا من الأمية و الجوع وبلادَنا من السياسات المرتجلة الخاطئة والحروب العشوائية في كل إتجاه.الذين بقينا دون انتماء لحزب أو تيار إيماناً منا بأن المواطنة العراقية هي الحزب الأقوى الوحيد مابعد الديكتاتورية .
كانت أصواتنا عالية إعلاماً وفناً وتظاهراً ومغامرة ، وكنا نحمل هموم الناس واختناقها في مانكتب ومانقول ومانعمل في جميع المنظمات الحقوقية والمدنية التي تقف مع محنتنا ورسالتنا الحرة. مراحل ومواقف وأحزاب تتقلب بين عداء أميركا لصالح الأيديولوجيا ثم الوقوف معها لصالح المصالح ! .
حدث الذي حدث ، واسقطت أميركا صدام في حربها وقدمت العراق هدية بلا مناسبة للمجاهدين الذين إذا ذ ُكر اللهُ وجِلتْ قلوبُهم فقلنا : العوض بهم كي ينقذوا مايمكن إنقاذه، فقد كان أملنا بالإسلاميين أكثر من العلمانيين ، لإعتقادنا أنهم يخافون الله قبل أن يوضع قانون يخافونه، ويحترمون العهد قبل أن يُسن ّ دستور يحترمونه .
لكن كل شيء حدث في العراق إلا مخافة الله والقانون واحترام الدستور، افترسونا افتراسا لامثيل له، وحكمونا بالنفاق والكذب ، وقدموا صورة بائسة عن الدين والتنافس السياسي، ونموذجا سيئا في حفظ المال والتنمية وتربية النشء الجديد على القيم والعلم والنظافة والإعتدال ، بدل الكراهية والوساخة وسَوق المغفلين ( المُجَهَّلين) الى نواعير التخريف والإفك والروايات والتأويلات المختلقة ، حتى أنتجوا بسبب أدائهم المسخ هذا شبابا كافراً ، وبسلوكهم شيوعاً للفساد والرشوة .
سيق أبناؤنا الى حروب ضد الارهاب وخنازير الدين التي إخترقت حدود البلاد من كل فج عميق، دون أن يحاسَب من أدخلها أو تراجع عن ردعها ، بل واصل الفَشَلة ُالفَسَدة ُالقتلة تقدمَهم الصفوف برفقة كلابهم في خلطة مؤسفة لايوجد شجعان لفلترتها ، يجلس الذي ضحى أمام الذي هُزم ، ويجلس الذي جاع أمام الذي سرق ، ويجلس الذي أّذل أمام الذي كذِب . وبقينا نحن من إنتخابات الى أخرى محرجين من الأعداء الشامتين بفشلهم ، وهم يلوون النصوص الدينية ليجعلوا منها تبريرات للرذيلة فقط ! فتحوا مشاجب الألسن لردعنا وإسكات كل من يقول : إن البلاد تنحرف بفسادهم وفشلهم وقلة خبراتهم ، فهم من همش الكفاءات الموقرة ، وأعلوا على الناس أسافلهم في جميع مفاصل الحياة .. وأنهم بصلافة لايكترثون للشهداء أو النازحين أو المهاجرين أو الجياع ،بل تناسوا جرائم كبرى في التاريخ الحديث مثل سبايكر وتسليم الموصل،اليوم الناس لاتميز بين الوجوه، فقد تشابهت وتضخمت وبقيت مصرة على دفن العراق مع جثثهم التي لاراد لقضائه إذا حانت الساعة.
اليوم الدعوة الوطنية ليست للشعب الذي أخرجوه من المعادلة راضيا مرضيّا ! ، الدعوة للكتل ذاتها ان تنظف نفسها من رموز الاخفاق المريع خلال السنوات المرّة الماضية ، أن يقف الذين جاهدوا في مواجهة الذين إنهزموا ، والذين أكرموا الوطن بدمائهم ضد الذين سرقوه ورهنوه .
إنها الفرصة الذهبية والأخيرة للمصلحين ، الفرصة التاريخية لمن يرى باسم الشعب أنه على حق ،أن لايكونوا مترددين خانعين متواطئين، أن تجري عملية تطهير أخيرة، غيّروا الفاسدين في لحظة شرف وشهامة تواضعا أمام دماء الشهداء ومعاناة النازحين ومصائر المهاجرين واحتراماً لوطن مهم وشعب يستحق الحياة . .
أعيد نشر هذا المقال بمناسبة الحديث عن تشكيل حكومة جديدة .. مع عنوان آخر عسى أن تنفع الذكرى
