رولا سوبره.
مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل.
تخوض منطقة الشرق الأوسط واحدة من أعقد معاركها التاريخية؛ معركة لا تُخاض بالعتاد، بل بالعقول وفوق مقاعد الدراسة. في منطقة يشكل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من 60% من سكانها، لم يعد التعليم مجرد قطاع خدمي، بل تحول إلى قضية أمن قومي ومحدد رئيسي للاستقرار السياسي والاقتصادي. وبينما تندفع بعض العواصم العربية نحو تبني أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وفصول المستقبل، تقبع عواصم أخرى تحت وطأة الأمية والنزوح. هذا التباين الحاد يضع التعليم العربي أمام مرآة الحقيقة: هل تصنع نظمُنا التعليمية قادة المستقبل، أم أنها تكرس فجوات طبقية ومعرفية تعمق أزمات المنطقة؟
بين طفرة الخليج وتعثر الأطراف: مشهد تعليمي مشطور
لا يمكن الحديث عن التعليم في الدول العربية بوصفه كتلة متجانسة؛ فالخارطة التعليمية تعيش انقساماً راديكالياً. في الخليج العربي، وتحديداً في السعودية والإمارات وقطر، تحول التعليم إلى استثمار استراتيجي ضخم. نجحت هذه الدول في استقطاب فروع لأعرق الجامعات العالمية، وضخت مليارات الدولارات لتطوير البنية التحتية الرقمية، مما جعل جامعاتها المحلية تقفز قفزات نوعية في تصنيفات تايمز و QS العالمية.
في المقابل، يواجه التعليم الحكومي في دول ذات ثقل ديموغرافي وجغرافي مثل مصر، والعراق، ودول المغرب العربي، تحديات هيكلية مزمنة. هنا، تعاني المدارس من تكدس الفصول، وضعف الأجور الممنوحة للمعلمين، وغياب التمويل الكافي للبحث العلمي، مما أدى إلى نمو متسارع لخصخصة التعليم. هذا الصعود للمدارس الدولية والخاصة خلق فجوة اجتماعية خطيرة، حيث بات التعليم الجيد حكراً على النخب، بينما يخرج التعليم العام ملايين الطلاب دون حد أدنى من المهارات التنافسية.
فخ التلقين وسوق العمل: شهادات بلا مهارات
لعل المعضلة الأكبر التي تواجه المنظومة التعليمية العربية هي الانفصام التام بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل الحديث. لعقود طويلة، ركزت المناهج العربية على الحفظ والتلقين لنيل الشهادة، بدلاً من تنمية التفكير النقدي وحل المشكلات. النتيجة الحتمية كانت تكدس ملايين الخريجين في تخصصات تقليدية مشبعة، مما دفع بمعدلات بطالة الشباب في المنطقة إلى مستويات تعد من الأعلى عالمياً.
إن الثورة الصناعية الرابعة تفرض اليوم تخصصات مثل الأمن السيبراني، وعلم البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والاستدامة. ورغم محاولات بعض الدول تحديث مناهجها، إلا أن الفجوة ما زالت تتسع. يتزامن ذلك مع وصمة اجتماعية متجذرة تقلل من شأن التعليم المهني والتقني، حيث ما زالت العائلات العربية تفضل التخصصات الأكاديمية التقليدية حتى لو انتهى الأمر بملتحقيها في صفوف العاطلين عن العمل، بدلاً من تخصصات تقنية تحتاجها المصانع والشركات الناشئة بشكل ملح.
التعليم تحت الأنقاض: أجيال النزوح والحروب
لا يكتمل تشخيص الواقع التعليمي العربي دون الالتفات إلى الجرح الإنساني النازف في دول الأزمات. في سوريا، واليمن، وغزة، والسودان، تحول التعليم من حق أساسي إلى ترف مستحيل. ملايين الأطفال تسربوا من المدارس مجبرين جراء الحروب، والنزوح، وتدمير آلاف المنشآت التعليمية أو تحولها إلى ملاجئ للنازحين.
هذه الكارثة لا تهدد الحاضر فقط، بل تلغم المستقبل بأجيال ضائعة تعاني من أزمات نفسية حادة وفقر معرفي، مما يجعلها بيئة خصبة للاستقطاب الفكري أو التهميش الاقتصادي. ورغم المبادرات الخجولة لتقديم التعليم الافتراضي في المخيمات، إلا أن غياب الكهرباء والإنترنت في تلك المناطق يحول دون تحقيق أي خرق حقيقي.
خارطة طريق نحو المستقبل
إن إنقاذ التعليم العربي يتطلب الانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستشرافي. الرقمنة ليست مجرد شاشات ذكية تُعلق في الفصول، بل هي تغيير جذري في فلسفة التعليم وأدوار المعلمين.
تحتاج الدول العربية اليوم إلى ثورة تشريعية وتمويلية تعيد للاستثمار في المعلم هيبته، وتربط الجامعات بمراكز الأبحاث والصناعات المحلية، وتكثف الدعم الدولي للمناطق المنكوبة. إذا لم تتحرك العواصم العربية بشكل جماعي وجاد لسد الفجوة المعرفية، فإن قطار المستقبل سيمضي، ولن تترك التكنولوجيا مكاناً لمن يكتفون بملء الدفاتر دون بناء العقول.
