المخدرات والمجتمع حين لا يكون المدمن وحده هو الضحية

نسرين حمزة

لم تعد المخدرات مشكلة تخص فردا قرر أن يسلك طريق التعاطي ثم يتحمل وحده نتائج اختياره فحين تتسلل المخدرات إلى مجتمع ما فإنها لا تستهدف جسد الإنسان وعقله فقط بل تمتد آثارها إلى الأسرة والمدرسة ومكان العمل والاقتصاد والأمن وحتى منظومة القيم التي تحفظ تماسك المجتمع وهنا تبرز أهمية كتاب الدكتور مصطفى سويف المخدرات والمجتمع نظرة تكاملية الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 1996 ضمن سلسلة عالم المعرفة فالكتاب الذي يقع في نحو 286 صفحة يتناول إدمان المخدرات من منظور اجتماعي ونفسي متكامل وليس باعتباره مجرد انحراف فردي

السؤال الأخطر ليس لماذا أصبح فلان مد منا بل كيف وصل المجتمع إلى مرحلة أصبح فيها الوصول إلى المخدر أسهل من الوصول إلى الوعي فالإدمان غالبا لا يولد في لحظة واحدة قد تبدأ الحكاية بفضول أو تقليد أصدقاء أو محاولة للهروب من ضغوط نفسية واجتماعية أو اعتقاد خاطئ بأن التجربة لمرة واحدة لن تتحول إلى عادة لكن المشكلة أن التجربة قد تتحول إلى اعتماد والاعتماد إلى إدمان ثم يصبح الإنسان أسيرا لمادة أخذها في البداية باعتبارها وسيلة للمتعة أو الهروب ولهذا فإن مواجهة المخدرات لا يمكن أن تقوم على العقوبة وحدها ولا على حملات التخويف وحدها لأن الظاهرة أكثر تعقيدا من ذلك

وتكمن قيمة طرح مصطفى سويف في أنه ينظر إلى المشكلة باعتبارها منظومة مترابطة فالكتاب يبحث في منشأ التعاطي والإدمان وما ينتج عنه من اضطرابات نفسية ومشكلات اجتماعية ثم يناقش سبل مواجهة المشكلة من جانبي العرض والطلب وهذه النظرة مهمة جدا لأن التركيز على المدمن وحده قد يجعل المجتمع يغفل السؤال الأكبر ما البيئة التي سمحت للإدمان بأن ينمو فإذا كان هناك شاب يتعاطى فعلينا أن نسأل عن الأسرة والأصدقاء والمدرسة والفراغ والبطالة والاضطرابات النفسية وسهولة الحصول على المواد المخدرة وطبيعة الخطاب الإعلامي والتوعوي إن معالجة النتيجة وترك الأسباب يعني ببساطة أننا نعالج ضحية واحدة بينما تظل البيئة التي أنتجت المشكلة قائمة

الخطر الحقيقي للمخدرات أنها لا تهدم الإنسان دفعة واحدة إنها قد تبدأ بسرقة أشياء تبدو صغيرة مثل التركيز والانضباط والعلاقات والثقة والقدرة على العمل ثم تتسع الدائرة شيئا فشيئا حتى يجد الإنسان نفسه بعيدا عن أسرته ومجتمعه ومستقبله والأسرة هي أول من يدفع الثمن فالإدمان قد يحول المنزل من مساحة للأمان إلى مساحة للصراع والقلق والخوف وقد يترك آثارا نفسية واقتصادية واجتماعية تمتد إلى أفراد الأسرة جميعا ومن هنا فإن إنقاذ المدمن ليس إنقاذ الفرد فقط بل هو في كثير من الأحيان إنقاذ لأسرة كاملة من الانهيار

وعندما تدخل المخدرات إلى بيئة الشباب فإن الخطر لا يتعلق بالحاضر وحده وإنما بمستقبل المجتمع فالشاب هو طاقة المجتمع وقوته العاملة ومستقبله وكل شاب يدفع إلى الإدمان يعني خسارة إنسان كان يمكن أن يكون طبيبا أو مهندسا أو معلما أو عاملا أو رب أسرة صالحا ولهذا لا ينبغي أن تكون مكافحة المخدرات مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها إنها مسؤولية المدرسة والجامعة والأسرة والإعلام والمؤسسات الدينية والصحية والاجتماعية إلى جانب الأجهزة المختصة

هل يكفي أن نقول المخدرات جريمة بالتأكيد لا فالقانون ضروري لحماية المجتمع وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع لكن الوقاية تبدأ قبل لحظة الجريمة تبدأ عندما يتعلم الطفل أن المخدر ليس وسيلة لإثبات الرجولة وتبدأ عندما تستطيع الأسرة اكتشاف التغيرات السلوكية لدى أبنائها والتعامل معها بوعي بدل الاكتفاء بالعنف والاتهام وتبدأ عندما يجد المراهق والشاب مساحة للحديث عن مشكلاته النفسية والاجتماعية من دون خوف من الوصمة وتبدأ عندما يتحول الإعلام من مجرد نشر أخبار الضبط والمصادرة إلى إعلام وقائي يشرح للناس كيف يبدأ الإدمان وكيف يمكن إيقافه قبل أن يتحول إلى كارثة

إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو اختزال قضية المخدرات في صورة مدمن سيئ ومجتمع بريء فالمجتمع الذي تنتشر فيه المخدرات يحتاج إلى أن يسأل نفسه بشجاعة أين أخفقنا في حماية شبابنا وأين أخفقنا في اكتشاف الانحرافات المبكرة وأين أخفقنا في توفير الدعم النفسي والاجتماعي وأين أخفقنا في مواجهة شبكات الاتجار التي تحول ضعف الإنسان إلى تجارة إن كتاب مصطفى سويف رغم مرور عقود على صدوره يضع أمامنا فكرة ما تزال شديدة الأهمية فالإدمان ظاهرة متعددة الأبعاد ولذلك لا يمكن مواجهتها بحل واحد وهذا يعني أن الحرب على المخدرات ليست حربا على المدمن بقدر ما هي حرب على الأسباب والبيئات والشبكات والأفكار التي تدفع الإنسان إلى هاوية الإدمان

قد يموت الإنسان جسديا بسبب المخدر لكن الخسارة تبدأ قبل ذلك بكثير تبدأ عندما يفقد شاب طموحه وعندما تفقد أسرة استقرارها وعندما يتحول المال من بناء المستقبل إلى تمويل الإدمان وعندما تصبح المخدرات جزءا من ثقافة بعض الفئات بدل أن تكون خطرا مرفوضا لهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط كيف نعالج المدمن بل كيف نمنع الإنسان من الوصول إلى الإدمان أصلًا وهنا تحديدا تتحول مكافحة المخدرات من حملة أمنية مؤقتة إلى مشروع مجتمعي طويل الأمد لحماية الإنسان فالمخدرات لا تبحث فقط عن جسد لتخدره وإنما تبحث عن عقل لتغيبه وأسرة لتفككها ومجتمع لتضعف مناعته ومن يعتقد أن المخدرات مشكلة المدمن وحده ربما لم يدرك بعد أن سقوط الفرد قد يكون أول حجر يسقط من جدار المجتمع كله


مشاركة المقال :