محمد حسين كَمر… حين تحمل الجوزة ذاكرة العراق إلى العالم

الدكتور ثامر الناصري

هناك فنانون يعزفون الموسيقى، وهناك فنانون تحملهم الموسيقى معها. وبين الاثنين مسافة لا يقطعها إلا من عاش الفن بوصفه مسؤولية،والذاكرة بوصفها أمانة، والتراث بوصفه وطنًا لا يجوز أن يضيع.

ومن بين هذه القامات العراقية يبرز اسم الدكتور محمد حسين كَمر؛ الفنان والأكاديمي وعازف الجوزة والباحث في علوم الموسيقى والمقامالعراقي، الذي استطاع أن يجعل من آلة تبدو صغيرة في حجمها، عظيمة في دلالتها، صوتًا يحمل شيئًا من روح العراق إلى مسارح العالم.

فالجوزة، حين تكون بين يدي كَمر،

لا تبدو مجرد آلة موسيقية تراثية؛ إنها تتحول إلى ذاكرة صوتية.

ذاكرة بغداد، وأزقتها، ومقاهيها، ومجالسها، وأصوات قرّاء المقام، وحكايات أجيال كاملة عاشت مع النغم العراقي الأصيل.

من مقاعد المعهد إلى ذاكرة المقام

بدأت رحلة محمد حسين كَمر مع الموسيقى من معهد الدراسات النغمية في بغداد، حيث تخرج عام 1981، ثم عاد إلى المؤسسة نفسهاأستاذًا للنظريات الموسيقية وآلة الجوزة، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية في الموسيقى. وتشير سيرته المنشورة إلى أنه عمل في المعهد منذعام 1982 حتى عام 1997، وتولى مسؤوليات أكاديمية وتدريسية في مجالات الآلات الموسيقية والنظريات. (Mohammad Gomr⁠)

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص تجربته.فهو لم يتعامل مع الجوزة بوصفها مهارة عزف فحسب، وإنما حاول أن ينقلها من الممارسة الشفويةإلى المعرفة الأكاديمية، وأن يمنحها مساحة تستطيع من خلالها أن تعيش في الحاضر دون أن تفقد جذورها.

وقد تحدث كَمر عن تطويره أسلوبًا خاصًا في العزف على الجوزة، يجمع بين روح التراث والتقنيات الموسيقية الحديثة، وهو ما أسهم فيتوسيع إمكانات الآلة وإدخالها في تجارب موسيقية جديدة. (Azzaman⁠)

أستاذ يتعامل مع التراث كأمانة

ربما كان الفرق بين الفنان الذي يحترف آلة والفنان الذي يصبح جزءًا من تاريخها، هو مقدار ما يمنحه للآخرين. وقد خرج من تجربة كَمرعدد من عازفي الجوزة الذين تعلموا على يديه، فيما ارتبطت مسيرته منذ بداياتها بكبار أعلام الموسيقى والمقام العراقي ،فقد عمل في فرقةالتراث الموسيقي العراقي التي أسسها الفنان الكبير منير بشير، واحتك خلال مسيرته بعدد من كبار قراء المقام والعازفين، وهي تجارب تركتأثرًا عميقًا في تكوينه الفني. (Mohammad Gomr⁠)

ولهذا فإن الحديث عن محمد حسين كَمر لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن سلسلة من الأجيال الموسيقية العراقية التي حملت المقام منالآباء إلى الأبناء، ومن المجالس العراقية إلى خشبات المسارح العالمية.

هولنداجغرافيا الإقامة لا تغيّر هوية الروح

ربما تكون المفارقة الأجمل في تجربة محمد حسين كَمر أنه يعيش في هولندا، بعيدًا جغرافيًا عن بغداد، لكنه لم يسمح للمسافة أن تصبحمسافة بينه وبين العراق.

بل حدث العكس. لقد تحولت الغربة عنده إلى وسيلة أخرى لحمل العراق إلى العالم.

ففي هولندا أسهم في تأسيس مؤسسة المقام العراقي التي اهتمت بتوثيق ونشر وتعليم الموسيقى العراقية والمقام العراقي في أوروبا والعالم،واستقرت فرقة المقام العراقي هناك منذ أواخر التسعينيات. (Mohammad Gomr⁠)

وهكذا أصبح العراق حاضرًا في مكان بعيد عن جغرافيته، لا عبر الشعارات، وإنما عبر النغمة.

وهذا هو أجمل ما يمكن أن يفعله الفنان لوطنه

إن القيمة الحقيقية في تجربة كَمر ليست فقط في إتقانه لآلة الجوزة، وإنما في محاولته أن يمنحها حياة جديدة.

فقد ارتبط اسمه بتجارب قدمت الجوزة في سياقات موسيقية عالمية، حتى أصبحت الآلة قادرة على الحوار مع أنماط موسيقية مختلفة، دونأن تتخلى عن هويتها العراقية. (Azzaman⁠)

وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال الموسيقى:

كيف نحافظ على التراث دون أن نحوله إلى قطعة متحفية؟

والجواب الذي تقدمه تجربة كَمر هو:  أن نحمله إلى المستقبل.

فالتراث الذي لا يتطور يموت، والتراث الذي يتخلى عن هويته يذوب؛ أما التراث الحي فهو الذي يستطيع أن يتنفس في زمنه، ويظل محتفظًابجذره الأول.

فرقة المقام العراقيمشروع

لا مجرد فرقة

ارتبط اسم محمد حسين كَمر ارتباطًا وثيقًا بفرقة المقام العراقي، التي جاءت بوصفها مشروعًا للحفاظ على هذا الفن ونشره عالميًا.

وقد شاركت الفرقة في مهرجانات وفعاليات دولية عديدة، وحملت المقام العراقي إلى جمهور لم يكن يعرف بالضرورة تفاصيل هذا الفن، لكنهكان قادرًا على الإصغاء إلى جماله. وتشير مقابلة منشورة عام 2026 إلى أن الفرقة جابت أكثر من 60 دولة وشاركت في أكثر من 250 مهرجانًا، في مسيرة هدفها إيصال المقام العراقي إلى العالم. (جريدة التآخي⁠). وهنا تظهر قيمة أخرى في تجربة كَمر:

هو لا يحفظ التراث لنفسهبل يفتح له أبواب العالم.

ذاكرة موسيقية تمشي على قدمين

وصفه بعض المهتمين بالموسيقى العراقية بأنه أشبه بـ «أرشيف الموسيقى العراقي المتحرك»، وهو وصف لا يأتي من فراغ، بالنظر إلىتجربته الطويلة مع المقام والعازفين والقراء والمؤسسات الموسيقية. (Elaph⁠)

لكن أجمل ما في هذه الذاكرة أنها ليست ذاكرة مغلقة.

فمحمد حسين كَمر لم يبنِ تجربته على القطيعة مع الآخرين؛ بل حافظ على علاقات واسعة مع الموسيقيين والفنانين، وجمعته بهم سنوات منالعمل والرحلات والحفلات والمهرجانات.

إنه ينتمي إلى جيل يعرف أن الموسيقى ليست منافسة بين الأشخاص، بل مساحة يتكامل فيها الجميع من أجل أن يبقى الفن.

حين يكون احترام الفنان لفنه احترامًا لوطنه

هناك شيء واضح في تجربة محمد حسين كَمر:

الاحترام.

احترام الآلة.

احترام المقام.

احترام الأستاذ.

احترام زملائه.

واحترام الجمهور.

وربما لهذا السبب بقيت تجربته قادرة على الاستمرار. فمن يحترم فنه لا يختصره في الشهرة، ولا يحوله إلى وسيلة عابرة للظهور، بل ينظرإليه باعتباره مسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للفنان.

كَمربين العراق وهولندا

في هولندا يعيش الإنسان محمد حسين كَمر.  أما في العراق، فتعيش ذاكرته الموسيقية.

وكلما أمسك الجوزة، بدا وكأن المسافة بين بغداد وأمستردام تتلاشى، وأن هناك خيطًا غير مرئي يصل المكانين:

خيط من خشب وقوس ووتر

وخلفه حضارة عمرها آلاف السنين.

إنها ليست مجرد آلة.

إنها صوت العراق حين يبحث عن نفسه في العالم.

في زمن يتغير فيه كل شيء

قد تبدو المحافظة على المقام العراقي مهمة صعبة.

لكن الأصعب منها أن نحافظ عليه من دون أن نحبسه في الماضي.

وهنا تأتي أهمية تجربة الدكتور محمد حسين كَمر.

فهو لا يريد للمقام أن يبقى ذكرى جميلة يتحدث عنها العراقيون بحنين، وإنما يريده فنًا حيًا، حاضرًا في المسارح، وفي الأكاديميات، وفيمشاريع التوثيق، وفي الحوار مع الموسيقى العالمية.

ولهذا فإن تكريم كَمر ليس تكريمًا لعازف جوزة بارع فحسب.

إنه تكريم لرجل اختار أن يحمل جزءًا من ذاكرة العراق معه أينما ذهب.

محمد حسين كَمررجل يحمل وطنًا في آلة

في النهاية، ربما لا نستطيع اختصار تجربة محمد حسين كَمر في لقب واحد.

هو عازف. وأستاذ. وأكاديمي.ومؤلف وملحن.ومدافع عن المقام العراقي.

ورجل ارتبط اسمه بمشروع نشر هذا التراث خارج العراق. (Mohammad Gomr⁠)

لكن اللقب الأجمل ربما هو:

رجل يحمل وطنًا في آلة.

وحين تبدأ أصابع محمد حسين كَمر بالعزف على الجوزة، لا ينبغي أن نستمع إلى النغم فقط

بل ينبغي أن نصغي إلى ما وراء النغم.

هناك بغداد. هناك العراق.

هناك أصوات الأساتذة الذين سبقوه.

هناك ذاكرة المقام.

وهناك حضارة كاملة تقول للعالم:

ما زلنا هناوما زال في العراق من يحمل صوته إلى المستقبل.

ولذلك، فإن الحديث عن محمد حسين كَمر ليس حديثًا عن الماضي.

إنه حديث عن كيف يمكن للتراث العراقي أن يبقى حيًا، وأن يسافر، وأن يتجدد، وأن يبهر العالمدون أن يفقد عراقيته .


مشاركة المقال :