نسألهم عن الدين… فيكشفون لنا الجهل

نســــرين حمـزة

ليست كل الأسئلة التي تُطرح في برامج المسابقات التلفزيونية مجرد أسئلة من أجل الفوز بجائزة، فبعضها يتحول، من حيث لا يقصد القائمون عليه، إلى مرآة تكشف مستوى الوعي والمعرفة داخل المجتمع.

في برامج مثل «جاوب تربح»، نشاهد أحياناً مشاهد تستوقفنا طويلاً؛ آباء وأمهات، وشباب وشابات، يدخلون في منافسة للإجابة عن أسئلة دينية تبدو بسيطة، ثم تأتي بعض الإجابات لتكشف فجوة معرفية تستحق التوقف عندها.

المشكلة ليست أن شخصاً أخطأ في إجابة، فالإنسان قد ينسى أو يتردد، وقد يخطئ تحت ضغط الكاميرا والجمهور. لكن المشكلة الحقيقية عندما نكتشف أن البعض لا يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الدينية، ولا يستطيع التمييز بين الحديث النبوي والمثل الشعبي، أو بين المعلومة الصحيحة وما يتناقله الناس على أنه حقيقة.

وهنا يحق لنا أن نسأل: إلى أين يتجه المجتمع العراقي؟

فمن بين هؤلاء المشاركين أب أو أم، وقد يصبح الشاب أو الشابة بعد سنوات قليلة أباً أو أماً. وإذا كان الوالدان لا يمتلكان معرفة دينية أساسية، فمن أين سيأخذ الأبناء معلوماتهم؟ ومن سيجيب الطفل عندما يسأل عن الحديث والسيرة، أو عن الفرق بين الدين وما تعارف عليه الناس؟

نحن لا نطالب بأن يتحول كل إنسان إلى عالم دين، لكن هناك فرقاً كبيراً بين عدم التخصص وبين الجهل بالمبادئ الأساسية التي تشكل جزءاً من هوية الإنسان وثقافته.

والأمر أصبح أكثر خطورة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، حيث باتت المعلومة متاحة للجميع، لكنها في الوقت نفسه معرضة للتشويه والخلط. منشور مجهول المصدر قد يتحول إلى «حديث»، ومقولة شعبية قد تُنسب إلى النبي، وحكاية متوارثة قد تصبح عند البعض حكماً شرعياً.

لذلك نحن بحاجة إلى إعادة بناء الثقافة الدينية بصورة مبسطة وصحيحة وعصرية؛ ثقافة تقوم على الفهم لا الحفظ وحده، وعلى معرفة مصدر المعلومة قبل تصديقها، والتمييز بين القرآن والحديث، وبين الحديث الصحيح والقول المنسوب خطأً، وبين الحكم الديني والعادة الاجتماعية والموروث الشعبي.

فالمشهد الذي نشاهده على شاشة التلفزيون ليس مجرد متسابق لم يعرف الإجابة، بل سؤال أكبر يوجهه لنا ذلك الميكروفون:

إذا كان بعض الآباء والأمهات لا يعرفون… فمن سيعلّم أبناءهم؟

علينا أن نتوقف قليلاً، لا لنسخر من إجابة أحد، ولا لنشمت بمن أخطأ، وإنما لنسأل أنفسنا بجدية: هل وصل ضعف التعليم الديني والثقافي إلى مرحلة أصبح معها السؤال البسيط امتحاناً؟

إذا كان الجواب نعم، فالمشكلة ليست في المتسابق الذي وقف أمام الكاميرا، بل في مجتمع يحتاج إلى أن يعيد فتح كتاب المعرفة، قبل أن يطلب من أبنائه أن يفتحوا كتب المستقبل.


مشاركة المقال :