حين كان الجار أهلاً

نسرين حمزة

في أزقة الثمانينيات، لم تكن البيوت تفصلها الجدران بقدر ما كانت تجمعها المودة. كان الجار يعرف جاره، ويطمئن عليه قبل أن يسأل عن نفسه، وكانت تفاصيل الحياة اليومية جزءًا من نسيج اجتماعي متماسك، تحكمه قيم الاحترام والتكافل وحسن الجوار.

كانت النساء يجتمعن في “الدربونة” مع حلول المساء، يتبادلن الأحاديث والهموم، ويتشاركن الأفراح والأتراح، بينما يلهو الأطفال بأمان أمام البيوت تحت أنظار الجميع. وإذا أعدت إحدى العائلات طعامًا مميزًا، كان من الطبيعي أن يصل جزء منه إلى بيوت الجيران، في مشهد يجسد المحبة والتراحم، لا المجاملة فحسب.

أما اليوم، فقد تبدلت الصورة كثيرًا. أصبح الجار يتردد في طرق باب جاره، وربما يسكن سنوات طويلة إلى جواره من دون أن يعرف اسمه أو أفراد أسرته. وانشغل الجميع بإيقاع الحياة المتسارع، وفرضت التكنولوجيا والعزلة الاجتماعية واقعًا جديدًا، حتى غابت كثير من العادات الجميلة التي كانت تمنح الأحياء دفئها الإنساني.

إن تراجع حسن الجوار لا يعني فقدان عادة اجتماعية فحسب، بل خسارة جزء من الهوية والقيم التي تربى عليها المجتمع العراقي. فالجار كان سندًا في الشدة، وشريكًا في الفرح، وعونًا عند الحاجة، وكانت الثقة المتبادلة بين الجيران تشكل سياجًا يحمي الأسرة والحي بأكمله.

ورغم تغير الظروف، تبقى المسؤولية مشتركة لإحياء هذه القيم من جديد. فابتسامة، وسؤال عن الأحوال، ومبادرة بالمساعدة، أو تبادل طبق من الطعام في مناسبة، قد تكون بداية لاستعادة روح الجيرة الأصيلة التي طالما تميز بها مجتمعنا.

فحسن الجوار ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل قيمة إنسانية خالدة، يمكن أن تستعيد حضورها متى ما قررنا أن نعيد للقلوب قربها، وللجيران مكانتهم التي يستحقونها.


مشاركة المقال :