دراسة في مواجهة خطاب الكراهية وفق القانون العراقي

بركات عباس الخفاجي
تُعد واقعة المباهلة من أبرز الوقائع الإسلامية التي جسدت منهج الحوار العقلي والاحتكام إلى الدليل في معالجة الخلافات الدينية والفكرية. فقد وردت في سياق النقاش الذي دار بين النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفد نصارى نجران بشأن حقيقة السيد المسيح (عليه السلام)، حيث انتهى الحوار إلى ما نصت عليه الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا ….. ﴾ .
ولم تكن المباهلة دعوة إلى الإقصاء أو الصدام، بل جاءت بعد استنفاد وسائل الحوار والجدال بالتي هي أحسن، الأمر الذي يجعلها أنموذجاً حضارياً في إدارة الاختلاف الديني والفكري. وتبرز أهمية هذا الأنموذج في عصرنا الحاضر الذي يشهد تصاعداً ملحوظاً لخطابات الكراهية والتحريض على أساس الدين أو المذهب أو القومية، بما يهدد السلم المجتمعي ويقوض أسس التعايش الإنساني, ومن هنا تكتسب دراسة واقعة المباهلة في ضوء القانون العراقي أهمية خاصة، لما تنطوي عليه من قيم يمكن أن تسهم في مواجهة خطاب الكراهية وترسيخ ثقافة الحوار والاحترام المتبادل.
إن المتتبع لأحداث المباهلة يلحظ أن القرآن الكريم لم يبدأ بالمواجهة أو القطيعة، وإنما بدأ بالدعوة إلى النقاش وإقامة البرهان. فقد استقبل النبي الأعظم محمد (ص) وفدنصارى نجران، وأتاح لهم فرصة عرض معتقداتهم ومناقشة آرائهم بحرية، ثم احتكم الطرفان إلى الحجة والدليل.
وتكشف هذه الواقعة عن مجموعة من المبادئ الفكرية المهمة، أبرزها: الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن معتقده، وتقديم البرهان على التعصب والانفعال، واحترام الكرامة الإنسانية للمخالف، ونبذ العنف الفكري واللفظي، جعل الحقيقة ثمرةً للحوار لا للإكراه، وهذه المبادئ تمثل في جوهرها الأساس النظري لمواجهة خطاب الكراهية الذي يقوم على إلغاء الآخر وشيطنته وتجريده من حقه في الاختلاف.
وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه لا يقتصر على إبداء الرأي، بل يتحول إلى أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي وإثارة النزاعات والفتن بين مكونات المجتمع. وغالباً ما يبدأ خطاب الكراهية بألفاظ التحقير والتشهير، ثم يتطور إلى ممارسات تمييزية أو أعمال عنف تهدد الأمن والاستقرار،

فإذا كان خطاب الكراهية يقوم على رفض الآخر وتجريده من قيمته الإنسانية، فإن واقعة المباهلة تقوم على نقيض ذلك تماماً، ففي المباهلة نجد الحوار قبل الخصومة، والحجة قبل الاتهام، والاحترام قبل الإدانة. ولم يُنقل أن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أساء إلى وفد نصارى نجران أو انتقص من كرامتهم الإنسانية رغم الاختلاف العقدي العميق معهم، بل عاملهم باعتبارهم شركاء في الحوار الإنساني.
ومن ثم فإن المباهلة تؤسس لقاعدة حضارية مفادها أن الاختلاف لا يبرر الكراهية، وأن النزاع الفكري ينبغي أن يبقى في إطار النقاش العلمي والاحترام المتبادل، وهذه القاعدة تمثل اليوم إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمعات التعددية والتنوع، ومنها المجتمع العراقي الذي يضم مكونات دينية ومذهبية وقومية متعددة.
لقد أولى الدستور العراقي لسنة 2005م أهمية كبيرة لحماية التعددية الدينية والفكرية، فجاءت نصوصه معبرة عن فلسفة دستورية تقوم على احترام الإنسان بغض النظر عن انتمائه، فقد نصت المادة (14) من الدستور على أن العراقيين متساوون أمام القانون من دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو القومية أو العرق أو غير ذلك من الأسباب، كما نصت المادة (37/أولاً) على حماية كرامة الإنسان وصون حريته، في حين أكدت المادة (42) على حرية الفكر والضمير والعقيدة.

أما المادة (43/أولاً) فقد كفلت لأتباع جميع الأديان والمذاهب حرية ممارسة الشعائر الدينية وإدارة شؤونهم الدينية, وتؤكد هذه النصوص أن النظام الدستوري العراقي لا يقوم على إقصاء أي مكون من مكونات المجتمع، وإنما على مبدأ المواطنة المتساوية والتعايش السلمي, إلى جانب الحماية الدستورية، فقد أوجد المشرع العراقي حماية جنائية لمواجهة الأفعال التي من شأنها إثارة الفتن أو المساس بالمشاعر الدينية, وقد تضمن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م المعدل عدداً من النصوص التي تهدف إلى حماية النظام العام والوحدة الوطنية ومنع إثارة النعرات الطائفية أو الدينية.
كما جرم القانون الأفعال التي تنطوي على الاعتداء على المقدسات أو تعطيل الشعائر الدينية أو التحريض على الكراهية بين فئات المجتمع، وذلك انطلاقاً من مبدأ أن الحرية لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بحقوق الآخرين أو تهديد السلم الأهلي، وتنسجم هذه السياسة التشريعية مع فلسفة المباهلة التي تجعل الحوار بديلاً عن التحريض، والحجة بديلاً عن الكراهية.
وإن مواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق بالعقوبات القانونية وحدها، وإنما تحتاج إلى بناء ثقافة مجتمعية قائمة على احترام الاختلاف, ومن هنا يمكن استلهام مجموعة من القيم المستمدة من واقعة المباهلة، منها: ترسيخ ثقافة الحوار بدلاً من ثقافة الإقصاء, وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين مكونات المجتمع, واحترام حرية المعتقد والفكر, ونشر الوعي القانوني بمخاطر التحريض والكراهية, ودعم خطاب الاعتدال والوسطية في المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية, فكلما اتسعت مساحة الحوار تراجعت مساحة الكراهية، وكلما تعززت الحجة ضعف تأثير التعصب والانغلاق.
تقدم واقعة المباهلة لنا أنموذجاً إنسانياً راقياً في إدارة الخلافات الفكرية والدينية، إذ قامت على الاحتكام إلى الحجة والبرهان واحترام الطرف الآخر رغم الاختلاف معه. وفي المقابل يمثل خطاب الكراهية نقيضاً لهذه القيم، لأنه يؤسس للعداء والانقسام ويقوض أسس التعايش المجتمعي، ولذلك فإن استحضار الدلالات الحضارية للمباهلة في البيئة القانونية العراقية يسهم في تعزيز ثقافة المواطنة واحترام التنوع ومواجهة التطرف والتعصب، انسجاماً مع أحكام الدستور العراقي والتشريعات النافذة الهادفة إلى حماية السلم الأهلي وترسيخ دولة القانون.


مشاركة المقال :