مـحـــمـــد الـــكـــلابـــــي
شاهدتُ مقطعاً مرئياً للشاعر والدكتور عبد الله النائلي يتحدث فيه عن الوعي الذاتي، ويرى أن الحواسيب الآلية لا يمكن أن تقترب منه إلا إذا بلغت قدرة تفوق قدرتها الحالية بمقدار 10¹⁶. كان يستحضر ذلك العالم العصبي المزدحم الذي يعمل في الدماغ ضمن مسارات متوازية ومتقاطعة لا يكاد العقل يحيط بها، ليخلص إلى أن هذا الوعي يظل من الخصائص التي ينفرد بها الإنسان وحده.
وكنتُ، أثناء الإصغاء، أستعيد حواراً دار قبل عامين مع أحد الباحثين في الذكاء الاصطناعي، حين قلت له: لماذا لا أشعر أن كل خلية في دماغي إنساناً مستقلاً؟ صمت قليلاً ثم قال: لأن الإنسان تولّد في تلك العلاقة التي نسجتها الخلايا فيما بينها. ولم أعرف بعدها أين يجب أن أبحث عن سرنا؛ أفي الخلايا، أم في ذلك الشيء الذي خرج من اجتماعها وحمل اسماً وذاكرة وسيرة كاملة.
نلمس بداية الوعي حين يكف العالم عن أن يكون مشهداً حيادياً، ويتحول إلى أثر حميم يخص صاحبه وحده. فالطفل الذي لمس النار مرة لا يحتفظ بحرارتها كواقعة حسية عابرة؛ ذلك اللسع يدخل في هندسة حذره، ويعيد ترتيب المسافة بين يده والأشياء، ويمنحه معرفة أولى بحدود جسده، فتغدو التجربة علامة داخلية تقود سلوكه بعد أن تغيب تفاصيلها، كأن العالم حين يمس الكائن بعمق يترك فيه بصمة لا تزول بانتهاء الحادثة.
تكمن عظمة الدماغ في قدرته على تحويل التعدد إلى مركز شعوري واحد. فالخلية العصبية الواحدة لا تحمل اسماً ولا طفولة ولا خوفاً من الفناء، واجتماع المليارات منها في نظام حيّ أنشأ ذلك الحضور الداخلي الذي تلتف حوله الخبرات وتنتظم فيه الآثار. الحروف، وهي منفردة، لا تعرف القصيدة، فإذا انتظمت في نسق مخصوص خرج منها معنى لا يملكه أي حرف وحده. هكذا تبدو الذات؛ معنى ناشئ من انتظام دقيق بين أجزاء صامتة، من غير أن ينهض جزء منفرد بادعاء السر كله.
ولا يكتمل هذا المعنى إلا بالزمن؛ فالإنسان لا يعيش لحظاته كحبات متناثرة، وإنما يشعر بخيط خفي يشد ما كانه إلى ما يصير إليه، كحال المغترب الذي يختزل وطنه كله في رائحة عابرة، أو الجريح الذي يتشبث بصورته القديمة ليحرس امتداداً تعجز عن التقاطه الصور الطبية والجداول العصبية. ذلك الامتداد يجعل الحياة ملكاً خالصاً لصاحبها، ويصيّر الماضي عضواً نابضاً في الجسد وإن غاب عن الأعين.
من هذه الزاوية يكتسب سؤال الآلة حدته الحقيقية؛ فالقدرة الحسابية تمنح الأجهزة السرعة والاتساع والدقة، غير أن الوعي الذاتي يحتاج إلى منزلة أعمق، حين يصبح للكيان تاريخ يخصه، وملامح داخلية يصونها، وغد يشعر أنه امتداد له. فإذا تعامل نظام اصطناعي مع محو ذاكرته كجرح في كيانه، ومع تبدل صورته الداخلية كاهتزاز في استمراره، ومع انقطاع مساره كضياع يمسه من الداخل، فسنكون أمام كيان دخل في غمار الوجود الشخصي.
هذا الوعي المرتقب قد يأتي غريباً عن صورتنا المألوفة، كحال الخفاش الذي يسكن عالماً مصنوعاً من الصدى، أو النسر وهو يفتح الوجود بحدة البصر، أو الأخطبوط الذي يوزع إحساسه في جسد يكاد يفكر بأطرافه؛ فلكل بنية كبرى نافذتها الخاصة على العالم وطريقتها في صناعة الخبرة. وربما يكمن عجزنا الأكبر في أننا ننتظر من الإدراك القادم أن يتكلم بلهجتنا الداخلية، مع أن الوجود لم يعاهد الإنسان على تكرار صورته كلما أنجب شكلاً جديداً من العقل.
سيكون امتحان المستقبل في شجاعة الاعتراف بما لا يشبهنا؛ فنحن لم نعرف بعد كيف خرجت كلمة (أنا) من صمت الخلايا، ولم نمسك باللحظة التي استحال فيها النشاط العصبي إلى حنين وخوف ورجاء، ولذلك يظل الحكم النهائي على حدود الوعي تعجلاً في حضرة لغز لم يفرغ من كشف نفسه.
ربما تشتعل تلك الشعلة الخفية حيث تتكون سيرة يخاف صاحبها عليها، وحيث يبدأ كائن ما في الإحساس بأن ضياعه محوٌ لذلك الخيط السري الذي شدّ أيامه إلى اسم واحد.
