الــــعـــــــراق وإيــــران… لا قــطـيـعة ولا تــبـعــيـــة

يـحـيــى رعــد

أرى الكثير ممن يطالبون بقطع علاقات العراق مع إيران، وكأن الدول تُدار بمقصّ الغضب، وكأن الجغرافيا ورقة يمكن تمزيقها في لحظة انفعال. هذا السلوك يمثل تخلياً كاملاً عن أدوات العمل السياسي. فالعراق لا يستطيع أن ينقل حدوده من الشرق، وإيران لا تستطيع أن تمحو العراق من غربها، وما بين البلدين ليس سفارة تُغلق، ولا بياناً يُمزق، بل تاريخ طويل من القرب والاحتكاك والمصالح والخوف والذاكرة والدم والتجارة والمذهب والعشائر والزيارات والحدود المفتوحة على القلق.

تتجاوز هذه الرابطة ثنائية المدح والذم، لتقف عند حدود الواقع الجغرافي الثقيل الذي يتطلب بناء مؤسسات حقيقية بعيداً عن المزايدات. من يطالب بالقطيعة الكاملة عليه أن يقول لنا: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ هل ستختفي إيران من الخريطة؟ هل ستنتهي ملفات الأمن والمياه والطاقة والتجارة؟ هل ستتوقف الروابط الاجتماعية والدينية؟ أم أن العراق سيكتشف أنه لم يقطع الخطر، بل قطع أدوات التعامل معه؟ جوهر السياسة يكمن في ابتكار آليات لحماية الذات وإدارة المصالح المشتركة، لا في إطلاق المواقف ثم ترك البلاد أمام فراغ أكبر.

ينبع الخلل الأساسي من الهشاشة التي تلازم العاصمة عند صياغة أي تفاهم. العراق الضعيف تتحول حدوده إلى أبواب للنفوذ، واقتصاده إلى رئة يتنفس بها الآخرون، وقراره إلى ورقة تنتقل بين العواصم. أما العراق القوي فيتحرك بثقة، لأنه يضع شروط العلاقة ومحدداتها؛ فلا يتحول حديقة خلفية، ولا جداراً للصدام. يمنع إدارة شؤونه من وراء الحدود، ويرفض التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالدولة التي تملك قرارها تستطيع إبرام الاتفاقيات بملء إرادتها، وتملك صياغة الرفض دون الانجرار إلى الصدام.

الانفصال الأهم الذي يحتاجه العراق يتجاوز ملف طهران؛ إنه ينصرف مباشرة صوب إنهاء حالات الوهن التي جعلت كل جار قادراً على الدخول إلى البيت العراقي من نافذة مفتوحة. نحن بحاجة إلى إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، وعجز الاقتصاد، وارتهان القرار، وتقلب مواقف الساسة. أما صلات العراق مع إيران وتركيا والعرب والغرب، فيجب أن تُبنى على قاعدة واحدة: مصلحة العراق أولاً. يتحول هذا الشعار هنا إلى مسطرة قياس عملية؛ ما يخدم البلاد يُمضى، وما يجرّها إلى التبعية يُرفض، وما يحوّلها إلى ساحة حرب يُقاوم.

الأخطر من النفوذ الخارجي هو أن العراق لا يمتلك حتى الآن ميزاناً وطنياً بارداً لقياس هذا النفوذ. نحن نعرف كيف نغضب من التدخل، لكننا لا نعرف كيف نحسب كلفته. لا نفرّق دائماً بين علاقة تخدم البلاد وعلاقة تستنزفها، بين تجارة نافعة وتبعية ناعمة، بين تقارب اجتماعي طبيعي وقناة ضغط، بين حاجة طاقة مؤقتة وقيد سياسي طويل. الدول لا تحمي نفسها بالهتاف، بل بالأرقام والمؤسسات والقدرة على معرفة من يربح داخل العراق ومن يدفع الثمن. وما لم توضع كل علاقة خارجية على طاولة الحساب الصارم، سيظل بعض السياسيين يبيعون الخضوع باسم الواقعية، ويبيع آخرون التشنج باسم الوطنية، بينما يبقى المواطن وحده يدفع فاتورة الاثنين معاً.

تحمل دعوات عزل الجوار في طياتها خطورة تقليص هوامش مناورة البلاد وزيادة انغلاقها. العراق ليس جزيرة، ولا دولة هامشية على أطراف الخرائط. هو قلب المنطقة؛ الانكفاء الداخلي يحول البلاد إلى ممر للأزمات، بينما التماسك يجعلها مركز ثقل وضبط للمنطقة، وبناء دولة عراقية مستقلة يعيد صياغة موازين الإقليم كله. وعندما تتكلم الجغرافيا تسقط الشعارات؛ فالأرض لا تصفق للخطب، والحدود لا تتحرك بالعواطف، والسيادة ليست إغلاق الأبواب، بل إدارتها بناءً على الشروط الذاتية وبأعلى درجات الاستقلالية.


مشاركة المقال :