قاسم حول: لو فعلت كما أرادني الدكتاتور في العراق لكنت صنعت أفلاما كبيرة لا معنى لها وأكون مليونيراً.

اعداد: ظافر جلود
المستقل / دبي
المخرج العراقي المغترب قاسم حول البالغ من العمر ثمانين عاما حاربته الدكتاتورية وعانى التهجير والعنف والتجاهل لعقود عديدة ومع ذلك تمكن من إخراج ما يقرب من ثلاثين فيلما وثائقيا وخمسة أفلام روائية.
 هرب من جحيم العنف والدكتاتورية ببغداد بعد ان رفض تغيير نهاية فيلمه ” بيوت في ذلك الزقاق ” بطلب من طارق عزيز، لم يرض بقبول منزل وسيارة مرسيدس كهدية من صدام حسين.
 من منزله الهولندي سرد المخرج العراقي قاسم حول قصة حياته بهدوء.
 “ قاسم حول” ولد عام 1940 في ريف جنوب العراق قرب البصرة، نشأ في أسرة فقيرة مع أخيه وأخته.
 يقول :لم يكن أبي وأمي يعرفان القراءة والكتابة ، و لم أتعرف على الثقافة في طفولتي “كان هناك عالم خارج الحياة الريفية ، عشته لأول مرة عندما كنت في السادسة ، في ذلك الوقت كان يوجد سينما متنقلة، تنتقل من قرية إلى أخرى بالإضافة إلى الأخبار والأفلام الوثائقية، تعرض رسوما متحركة.
 يضيف “حول ” رأيت “ميكي ماوس” هناك للمرة الأولى لقد تركت السينما انطباع قوياً، و هو المكان الذي ولد فيه حبي للسينما.
لا شك أن حياة ستنتهي بشكل مختلف لو لم تنتقل عائلتي إلى البصرة. في هذه المدينة احتككت بالثقافة، كنت في دائرة المسرح.. وعندما طلب مني التمثيل في سن السادسة عشرة، انتهزت الفرصة: “صنع إسماً لنفسه كممثل شاب وبعد عامين أسست مجموعتي المسرحية “النور” ، كما أنني كتبت بعض المسرحيات وكتبت النقد”.
بعد عام انتقل المخرج قاسم حول إلى بغداد لدراسة الدراما في معهد الفنون الجميلة لمدة أربع سنوات “خمس سنوات –كان حبه مع السينما، لكن المعهد لم يكن فيه قسم لتعلم السينما، ومع ذلك كانت الدراسة تجربة تعليمية جيدة لمسيرته المهنية اللاحقة كمخرج سينمائي ، يقول عن تلك الفتره “تعلمت التعامل مع الممثلين”. بعدتخرجه، قاد سعيه للاستقلال الفني إلى تأسيس شركة إنتاج“أفلام اليوم” مع أحد أصدقائه. كتب “حول” قصة فيلمهم الروائي الأول “الحارس” The Guard 1970   كوميديا تراجيدي عن حارس ليلي يقع في حب أرملة ترفضه عندما تقدم طالبا للزواج، لعب “حول” نفسه دوراً فيه، لكن الدور الرئيسي كان للممثل “مكي البدري” الذي سيصبح صديقا له مدى الحياة.
حقق الفيلم نجاحاً في العراق وجلب شهرة لـ “حول” أما الجانب السلبي فكان أن حزب البعث، الذي كان تسلم السلطة بعد عامين أراد أن يدمجه معه.
يقول : أرادوا أن يجعلوني عضوا في الحزب وأن يجعلوا شركة الأفلام الخاصة بي تحت سيطرة الحزب، ولأني رفضت وقعت في مشكلة مكثت فيها في المعتقل لمدة أسبوعين حيث تعرضت للتعذيب. عندما أطلق سراحي غادرت العراق على الفور وذهبت إلى لبنان. هناك طلب مني صديق تولي قسم الثقافة في مجلة فلسطينية تصدر هناك.. هذا ما بدأت فعله.
عاد “حول” إلى العراق بعد أربع سنوات، في عام 1974، عندما بدأ للحظة أن حزب البعث سيجري تغييرات ديمقراطية. كان السبب المباشر لعودته هو طلب من اتحاد السينمائيين التسجيليين العرب الذي ينشط في العديد من الدول العربية لإدارة فرع الإتحاد في العراق. في البداية رفضت كنت ، لكني واصلت وعملت فيلم الأهوار – 1976 وهو فيلم وثائقي عن سكان منطقة المستنقعات في جنوب العراق، وقعت في ورطة حينما اردت التصوير، اذ وضعت المخابرات صور الدكتاتور أحمد حسن البكر وصدام حسين، فوق البيوت، رفضت التصوير إذا لم يتم إزالة تلك الملصقات.. فتم إيقاف التصوير وطلبوا مني التوجه إلى بغداد للقاء المخابرات كحل وسط، ثم سمحوا لي بإكمال الفيلم.
ثم اخرج عام 1978.. فيلم بيوت ذلك الزقاق”
عاش حول وعمل بالتناوب بين ليبيا وروما لبعض الوقت، ولكن بعد بضع سنوات عاد إلى لبنان، البلد الذي كان ملجأ له قبل عقد من الزمان.. في لبنان قام باقتباس مؤثر لرواية الكاتب الفلسطيني “غسان كنفاني – عائد إلى حيفا” .. في هذه الدراما، اختفى طفل لزوجين فلسطينيين عام 1948 بعد تهجير الفلسطينيين من حيفا، وبعد عشرين عاما، عندما سمح للزوجين بزيارة حيفا للبحث عن ابنهما. اكتشفوا أنه تم تبنيه من قبل مهاجرين يهود من بولندا عام 1948 كان الاجتماع مؤلم لجميع المعنيين، ويثير تساؤلات حول الأبوة والأمومة. من يجب أن يعتبر الصبي البالغ من العمر الآن عشرين عاما، وهو جندي في الجيش الإسرائيلي، والديه الحقيقيين؟ ،” عائد إلى حيفا” دراما مثيرة للإعجاب، يصفها “حول” بأنها ليست فيلما ثورياً، لكنها فيلم موضوعي يحلل الواقع..
بعد عامين من “عائد إلى حيفا” في عام 1982 أنتج “حول” فيلما وثائقيا عن مجزرة “صبرا وشاتيلا” عن المذابح المروعة في مخيم شاتيلا لللاجئين الفلسطينيين ومنطقة صبرا في بيروت.
غادر “حول” لبنان واستقر في أثينا، أصبح مراسلا لمجلة “لبنانية.
 جاء إلى أمستردام في عام 1992 لتحويل فيلم منفوخ من 16 ملم إلى 35 ملم  في مخبر أفلام   CINECO    حيث لم تكن هناك مخابر تقنية لهذا النوع من التقنيات في أثينا، وقع في حب المدينة واستقر مع زوجته وابنته  في هولندا.
لا يوجد بلد أفضل من هولندا، كما يقول “حول” الناس لطفاء للغاية ومتعاطفون الهولنديون هم أفضل الناس في العالم.. أنا ممتن لهولندا، لكن المخابرات السرية التابعة لصدام حسين تمكنت أيضا من العثور عليَّ في هولندا، تعرضت للتهديد هنا أيضا. “تلقى رسالة تحثه عن التوقف عن معارضة الدكتاتورية. أعطيت الرسالة للشرطة الذي بقي يراقب منزلي حتى سقوط الدكتاتورية”.
بعد ما يقرب من عشر سنوات من سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري، قدم “حول” وبدعم من الـ ARTE الفرنسيةالفيلم الناقد الذي لم يحض بفرص العروض في العراق، المغني LE CHANTEUR عام 2011” .
بعد هذا الفيلم. أنتج “حول” الفيلم الوثائقي “الممثل وأنا” قبل ثلاث سنوات، حيث زار صديقه الممثل القديم جدا الراحل “مكي البدري” الذي لم يعد يعيش أيضا في العراق، ولكن في السويد، يؤدي ذلك إلى رحلة حنين إلى الماضي عبر ذاكرة حارة، عندما اعتنق كلاهما الحياة كشباب طموح في العراق.. وبالأمس البعيد وقد تقدموا في السن “لم يبق سوى الفراغ بين أصابعنا” كما يقول “البدري”.
منذ اكثر من سنتين وبعد عودتي للعراق على امل انتاج أفلام جديدة، كرست حياتي لأنقاذ أرشيف الفيلم العراقي منذ العام 1920 وكل الافلام موجودة في مبنى دائرة السينما والمسرح ببغداد، لقد عملت فيلما وثائقيا عن إنقاذ الأرشيف والذي أقوم بعمل المونتاج له الآن في هولندا. اسم الفيلم غداً باتجاه الأمس.
في نهاية اللقاء قال ” حول”
“لقد قاتلت بما فيه الكفاية من أجل الناس.. لو فعلت كما أرادتني الدكتاتورية في العراق أن أفعله، لكنت صنعت أفلاما كبيرة لا معنى لها وأكون مليونيراً، لكنني أفضل أن أعيش بسلام وطمأنينة “يضحك” على الرغم من ذلك فأن كلماتي الأخيرة ستكون على الأرجح .. “الممثلون مستعدون.. أكشن”!

مشاركة المقال :