فلاح الكلابي
القلب لا يريد كثرة الكلام، ولا يبحث عن تفسيرات طويلة، ولا يطلب حياة خالية من الألم. ما يريده في النهاية هو أن يشعر أنه في مكانه الصحيح. أن يكون قريباً من الحقيقة، لأن الحقيقة وحدها تمنحه السكون. حين يبتعد عنها، يبدأ الاضطراب، حتى لو بدا كل شيء من الخارج طبيعياً.
القلق لا يعني دائماً الخوف الظاهر. أحياناً يكون شعوراً ثقيلاً يسكن الداخل دون سبب واضح. الإنسان قد يضحك، يمازح، ينجح، ويتحرك بين الناس، لكن قلبه يبقى مشدوداً، كأنه ينتظر شيئاً سيئاً لا يعرف متى يأتي. هذا التوتر لا تصنعه اللحظة الحاضرة، بل ما يختزنه القلب من خوف على القادم، وندم على ما فات، وشعور بالوحدة لا يزول حتى مع الامتلاء بالناس.
الآية الكريمة تقول بوضوح: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. لم تقل الآية إن المشكلات تزول، ولا إن الحياة تصبح سهلة، بل قالت إن القلب يطمئن. وهذا فرق كبير. الطمأنينة لا تعني غياب الألم، بل تعني أن الألم لم يعد يسيطر. أن القلب لم يعد وحيداً في مواجهته.
حين يذكر الإنسان الله، لا يحدث شيء خارق في الخارج، لكن شيء ما يتغيّر في الداخل. الأفكار التي كانت تركض بلا توقف تبدأ بالهدوء. ذلك الصوت الذي يذكّرك بكل ما يمكن أن يسوء يخفت قليلاً. الإحساس بالخطر الدائم يتراجع، ويحلّ مكانه شعور بسيط بالأمان، كأن القلب أخيراً وجد مكاناً يستند إليه.
الخوف من المستقبل لا يختفي، لكنه يفقد حدّته. الندم على الماضي لا يُمحى، لكنه لا يعود سيفاً مسلطاً. حتى الوحدة، وهي أقسى ما يشعر به الإنسان، تتبدّل صورتها. لا تختفي تماماً، لكنها لم تعد فراغاً مخيفاً، بل مساحة يمكن احتمالها، لأن القلب يشعر أن هناك من يراه، ومن يعرف ثقله، ومن لا يتركه وحده في منتصف الطريق.
الذكر لا يغيّر الواقع، لكنه يغيّر طريقة حمله. يخفف الضغط عن القلب، ويعيد ترتيب العلاقة مع الألم. لا يطلب منك أن تكون قوياً دائماً، ولا أن تتجاوز كل شيء بسرعة، بل يسمح لك أن تكون إنساناً، متعباً أحياناً، خائفاً أحياناً، لكن غير مكسور.
القلب لا يطلب حلولاً ذكية، ولا نصائح جاهزة، ولا وعوداً كبيرة. يطلب فقط أن لا يكون وحيداً في هذا الصراع الداخلي. وحين يشعر بذلك، يهدأ، حتى لو بقيت الأسئلة بلا إجابات.
لهذا، حين يضطرب القلب، فغالباً لأنه ابتعد عن ما يثبته، لا لأنه واجه ظرفاً صعباً. وحين يعود، لا يعود ليهرب من الألم، بل ليحمله وهو مطمئن.
وهناك، في هذه المساحة الهادئة، يبدأ القلب أخيراً بالشعور أنه ليس مضطراً للانقباض طوال الوقت… فيطمئن.
