د. بركات الخفاجي
الغدير مصدر إلهام فكري وأخلاقي وسياسي للمجتمع، ما زال يلقي بظلاله على واقع المجتمعات الإسلامية حتى يومنا هذا. ولعل أهم ما يميز هذه المناسبة أنها لا تستحضر شخص الإمام علي (ع) بوصفه شخصية تاريخية فحسب، وإنما تستحضر منظومة متكاملة من القيم التي تمثل جوهر الحكم الرشيد والإدارة العادلة.
إن المتأمل في خطاب الغدير يجد أن القضية الأساسية لم تكن تتعلق بمن يتولى السلطة فقط، بل بالمعايير التي ينبغي أن تحكم عملية القيادة وإدارة شؤون الأمة. فقد ارتبط اسم أمير المؤمنين (ع) بالعلم والعدالة والشجاعة والزهد والنزاهة والحرص على مصالح الناس، حتى أصبح أنموذجاً للحاكم الذي يقدم الواجب على المصلحة الشخصية.
ومن هنا تظهر أهمية الربط بين ذكرى الغدير وبين الواقع العراقي المعاصر، لأن العراق اليوم يعيش تجربة سياسية وقانونية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الدستورية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ففي الوقت الذي نص فيه الدستور على مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون، ما زالت الدولة تواجه إشكالات تتعلق بضعف الأداء المؤسسي، واستمرار الفساد الإداري والمالي، وتراجع مستوى الخدمات العامة، واحتدام الخلافات السياسية بين القوى المختلفة. كما أن المواطن العراقي ما زال يشعر في كثير من الأحيان بوجود فجوة بين النصوص القانونية وبين الواقع العملي الذي يعيشه يومياً.
وهنا تتجلى إحدى أهم الرسائل التي يمكن استلهامها من يوم الغدير، وهي أن شرعية السلطة لا تستمد من وجود النصوص القانونية وحدها، وإنما من قدرتها على تحقيق العدالة وخدمة الإنسان. فالقانون مهما كان متقدماً ومتطوراً يفقد الكثير من قيمته إذا لم ينعكس على حياة الناس بصورة عملية. وهذا ما أكده أمير المؤمنين (ع) في نهجه السياسي عندما جعل إقامة العدل وحفظ حقوق الرعية أساساً للحكم.
لقد كانت العدالة في فكر علي (ع) قيمة مطلقة لا تخضع للمجاملة أو المصالح السياسية. فالحاكم في نظره مسؤول أمام الله تعالى وأمام المجتمع عن حماية الحقوق ومنع الظلم وصيانة المال العام. ولذلك كان شديداً في محاسبة الولاة والموظفين الذين يسيئون استخدام السلطة أو يعتدون على حقوق الناس. وقد عُرف امير المؤمنين (عليه السلام) بشدته في حماية المال العام ومحاسبة المسؤولين الذين يسيئون استخدام السلطة، حتى إنه لم يكن يفرق بين قريب أو بعيد في تطبيق معايير النزاهة. ومن الأمثلة على ذلك رسالته الى عامله على البصرة عثمان بن حنيف التي جاء فيها: (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به), ورسالته الى عامله على أذربيجان الأشعث بن قيس التي جاء فيها: (وإن عملك ليس بطعمة, ولكنه في عنقك أمانة), وكذلك رسالته الى زياد بن ابيه عندما كان نائباً لعبد الله بن عباس على البصرة جاء فيها: (وإني اقسم بالله قسماً صادقاً, لئن بلغني أنك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر, ثقيل الظهر, ضئيل الأمر), وتكشف هذه الرسائل عن مبادئ متقدمة في الإدارة العامة, منها: أن المال العام أمانة لا ملكية شخصية للمسؤول, وخضوع الموظف العام للرقابة والمساءلة, فضلاً عن تشديد العقوبة على جرائم الاختلاس وخيانة الأمانة, وضرورة النزاهة والابتعاد عن مواطن الشبهة, والمساواة في حماية المال العام بغض النظر عن مكانة الجاني, لهذا تعد رسائله (عليه السلام) الى ولاته من اقدم النصوص التي ارست مبادئ النزاهة والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد الإداري والمالي, وهذه الرؤية ما زالت تمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، حيث تعد الرقابة والمساءلة ومكافحة الفساد من أهم أدوات ضمان حسن الإدارة.
وعندما نقارن هذه المبادئ بالواقع العراقي نجد أن التحدي الأكبر لا يكمن في نقص التشريعات، بل في ضعف تطبيقها أحياناً. فالعراق يمتلك منظومة قانونية واسعة وأجهزة رقابية متعددة، إلا أن تحقيق الأهداف المرجوة يتطلب إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على تنفيذ القانون بصورة عادلة ومتساوية.
ومن الجوانب المهمة التي تستحق التأمل في ذكرى الغدير قضية الكفاءة في تولي المناصب العامة. فأمير المؤمنين (عليه السلام) كان يؤكد أن المسؤولية يجب أن تُسند إلى الأكفأ والأصلح، لأن نجاح الدولة مرتبط بقدرة القائمين عليها على إدارة شؤونها بكفاءة ونزاهة. أما عندما تصبح الاعتبارات الحزبية أو الشخصية أو الفئوية هي المعيار الأساسي في توزيع المناصب، فإن ذلك يؤدي إلى إضعاف المؤسسات ويؤثر سلباً في مستوى الخدمات والأداء الحكومي.
وفي العراق المعاصر ما زال موضوع الكفاءة الإدارية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة. فالتنمية الاقتصادية والإصلاح الإداري وتحسين الخدمات تحتاج جميعها إلى ملاكات مؤهلة تمتلك الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط والمصالح الضيقة. ومن هنا فإن استلهام قيم الغدير يقتضي إعادة الاعتبار لمبدأ الجدارة والكفاءة بوصفه أساساً في إدارة الشأن العام.
كما أن من الدروس المهمة التي يقدمها الغدير للواقع العراقي: هي أهمية الوحدة الوطنية وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة. فالدول لا تستقر عندما تنشغل القوى السياسية بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بمشكلات المواطنين. والعراق، بحكم تنوعه الديني والمذهبي والقومي، يحتاج إلى خطاب وطني جامع يعزز الانتماء إلى الدولة ويحافظ على التعددية بوصفها مصدر قوة لا سبباً للخلاف والانقسام.
ومن الناحية الدستورية، فإن جوهر فكرة الدولة الحديثة يقوم على تحقيق التوازن بين السلطة والحرية، وبين القوة والعدالة، وبين الحقوق والواجبات. وهذه المعاني نجد جذورها واضحة في فكر امير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان يرى أن الحاكم مسؤول عن حماية كرامة الإنسان وضمان حقوقه الأساسية. ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي في العراق لا بد أن ينطلق من تعزيز استقلال القضاء، ودعم المؤسسات الرقابية، وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين، وترسيخ ثقافة احترام القانون.
ولا يمكن الحديث عن الغدير والواقع العراقي من دون التوقف عند قضية الثقة بين المواطن والدولة. فاستقرار الأنظمة السياسية لا يتحقق بالقوة أو النفوذ وحدهما، وإنما بوجود ثقة متبادلة بين الحاكم والمحكوم. وهذه الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن بأن الدولة تعمل لخدمته وتحمي حقوقه وتوفر له فرص العيش الكريم. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة ازدادت التحديات التي تواجه عملية البناء والإصلاح.
إن استذكار يوم الغدير على وجه العموم وفي العراق على وجه الخصوص ينبغي أن يكون مناسبة للتأمل في المستقبل بقدر ما هو استحضار للماضي. فالأمم لا تتقدم بمجرد الاحتفاء بتاريخها، وإنما بقدرتها على تحويل قيم ذلك التاريخ إلى برامج عمل ومشروعات إصلاحية وممارسات يومية. وإذا كان امير المؤمنين (عليه السلام) قد قدم أنموذجاً فريداً في العدالة والنزاهة والحكم الرشيد، فإن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرتنا على استلهام تلك القيم في بناء مؤسسات قوية ودولة عادلة ومجتمع متماسك.
وفي الختام، يبقى يوم الغدير أكثر من مجرد ذكرى دينية أو حدث تاريخي؛ بل هو دعوة متجددة لمراجعة مفهوم السلطة والقيادة والمسؤولية. وهو يذكرنا بأن قوة الدول لا تقاس بحجم مواردها أو نفوذها السياسي فحسب، بل بقدرتها على تحقيق العدالة وصيانة الحقوق وترسيخ سيادة القانون. وبينما يحيي العراقيون هذه المناسبة العظيمة، فإن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها منها هي أن بناء الدولة يبدأ من الالتزام بالقيم التي تجعل الإنسان محوراً للسلطة وغايةً لها، لا وسيلةً في خدمة المصالح والصراعات. وعندها فقط يمكن أن يتحول الغدير من ذكرى نحتفل بها إلى مشروع حضاري نعيش مبادئه في واقعنا السياسي والقانوني والاجتماعي، فصلوات الله تعالى وسلامه عليك يا أمير المؤمنين يوم ولدت، ويوم أصبحت مولى لكل مؤمن ومؤمنة ويوم استشهدت فائزاً صابراً محتسباً، ويوم تبعث حياً.
