كتابة أحمد نزار.
لا يمكن مقاربة سينما بارك تشان-ووك بوصفها مجرد سرديات عنف أو حكايات انتقام بل بوصفها مشروعاً جمالياً-فلسفياً يشتغل على تفكيك الأخلاق الحديثة داخل أنظمة القمع الناعمة، منذ Sympathy for Mr. Vengeance 2002 – ثاني أفلامه وأولى لبنات “ثلاثية الانتقام” يضع بارك المشاهد أمام سؤال مركزي، كيف يمكن للفقر واليأس أن يعيدا تشكيل الإنسان، لا بوصفه شريراً، بل كنتاج منطقي لبنية اجتماعية معطوبة؟
يرى الناقد البريطاني توني راينز أن هذا الفيلم “لا يعرض العنف بوصفه صدمة بل كعملية بطيئة لتآكل الكرامة الإنسانية” وهو توصيف دقيق لبدايات بارك السينمائية.
مع Oldboy – 2003 لا يكتفي بارك بإعادة تعريف السينما الكورية عالمياً بل يفرض خطاباً بصرياً جديداً عن الذاكرة والذنب والجسد،الفيلم الذي تُوّج بالجائزة الكبرى في مهرجان كان 2004 تحوّل إلى علامة فارقة ليس بسبب مشهديته الصادمة فقط بل لأنه – كما يصفه مارك كيرمود – فيلم عن العنف بوصفه قدراً معرفياً لا حدثاً درامياً.
ويأتي 2005 – Lady Vengeance ليغلق الثلاثية بنبرة أكثر برودة وتأملاً حيث يصبح “التطهير الأخلاقي” سؤالاً إشكالياً لا خلاصاً وتتحول العدالة إلى طقس جمعي ملتبس.
تتالى بعدها تحولات بارك الأسلوبية، من الجسد والرغبة والقداسة في Thirst – 2009 إلى برودة العائلة الأمريكية المفككة في Stoker – 20213 وصولاً إلى ذروة نضجه البصري والسردي في 2016 -The Handmaiden ذلك العمل الذي اعتبره كثير من نقاد السينما الآسيوية ومنهم دارسي باكيت أحد أكثر أفلام القرن الحادي والعشرين تعقيداً في تمثيل السلطة والرغبة واللغة.
أما Decision to Leave- 2022 فيمثل انعطافه شاعرية نادرة في مسيرة بارك حيث يتخلى عن العنف الصريح لصالح رومانسية قاتمة محمّلة بالهوس والفقد ما منحه جائزة أفضل مخرج في كان 2022 اعترافاً بقدرته على إعادة اختراع نفسه دون فقدان هويته.
في No Other Choice-2025 يعود بارك تشان-ووك لا بوصفه مخرج صدمات، بل كمؤرخ للقلق المعاصر, يمزج الفيلم بين الرعب الاجتماعي والكوميديا السوداء ليقدّم حكاية يو مان-سو )لي بيونغ-هون) المدير المثالي الذي تطيحه الأتمتة والذكاء الاصطناعي خارج منظومة كان يعتقد أنها مكافأة عادلة للعمل والاجتهاد.
هنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد خلفية سردية بل استعارة عن نهاية دورة حضارية كاملة وكما يشير الناقد الكوري لي دونغ-جين فإن الفيلم “لا يخشى طرح السؤال الأكثر فظاعة: ماذا يتبقى من الأخلاق عندما تصبح الوظيفة هي آخر أشكال الهوية؟”
المعضلة التي يواجهها البطل ليست جنائية بل وجودية، القتل ليس انحرافاً، بل “خياراً وظيفياً” داخل نظام مغلق، العنف، في هذا السياق يُنزَع عنه طابعه الشيطاني ويغدو امتداداً منطقياً لسيرة رجل أمضى 25 عاماً في بناء صورة مثالية عن ذاته.
تلعب سون يي-جين دور الزوجة (مي-ري) كعقل براغماتي باردوليست شريكة عابرة فقط، يبرر، يخطط ويغطي، شخصية تمثل كما وصفها أحد نقاد Cine21 الوجه الناعم للاستبداد الأخلاقي داخل الأسرة.
إيقاع الفيلم المتباطئ في بداياته ليس ترفاً أسلوبياً بل فخاً سردياً إذ ما إن تُنطق جملة “لا خيار آخر” حتى ينزلق العمل إلى كابوس تجريدي تُمحى فيه أي فسحة أخلاقية، في الخاتمة، يتباطأ الزمن مجدداً ليبرر الكارثة بدلاً من أن يمنح الخلاص.
كالعادة، لا تكمن متعة سينما بارك تشان-ووك في الانحراف ذاته بل في منتهاه، في ذلك التناغم الغريب بين العبث، الكوميديا السوداء، والشخصيات التي تركض بلا معنى داخل نظام لا يرحم.
السيناريو، المقتبس عن رواية The Ax لدونالد ويستتليك يتحول بين يدي بارك إلى بيان سينمائي عن العمل، العنف، والاغتراب، حيث لا نرى قاتلاً، بل موظفاً يحاول أن يظل “مواكباً لعصره”.
لم يكن No Other Choice عودة فقط بل ظاهرة، من تورونتو حيث نال جائزة اختيار الجمهور الدولية إلى حضوره القوي في الغولدن غلوب 2026 بثلاثة ترشيحات كبرى وصولاً إلى الجدل الذي أثاره غيابه عن ترشيحات الأوسكار رغم تمثيله الرسمي لكوريا الجنوبية.
أما محلياً فقد تُوّج الفيلم بسبع جوائز في Blue Dragon Awards مؤكداً مكانته كأهم إنجاز كوري لعام 2025.
في المحصلة، يثبت بارك تشان-ووك مجدداً أنه صانع لغة سينمائية قادرة على مساءلة الحاضر حتى عندما يبدو المستقبل بلا خيار آخر.
