نهلة الدراجي
بناء التوقعات العالية هو الخطوة التي نضع فيها قلوبنا في يد غيرنا نحسن الظن ونرسم صورة مثالية عمن نحب ثم نطلب منهم أن يلبوا دائما الشيء الذي رسمناه لهم، لكن الحياة لا تدار دائما بمنطق الأمنيات. والصدمة لا تأتي غالبا من الغرباء بل من أقرب الناس… ممن ظننا أن المسافة بيننا وبين خذلانهم مستحيل..
الخذلان عندما يكون من أقرب الناس… تصبح المواجهة أعقد من أن تحسم بسهولة.
ليس لأن الألم أشد فقط، بل لأن مصدره هو نفسه الذي كان ينبغي أن يحميك.
تخونك العادة، وتكسرك البديهيات كيف يمكن أن يوجعك من كان يفترض أن يضم جرحك؟
هنا تحديدا تتحول المعركة الداخلية إلى ساحة صامتة كل كذبة صغيرة، كل برود مفاجئ، كل صمت في وقت كان من المفترض أن يكون فيه احتواء… ينسحب من قلبك شيء فشيئاً حتى تفقد المعادلة القديمة (نحن إلى أنا وحدي).
الواقع حين نربط رضا أنفسنا بردود أفعال الآخرين، نمنحهم مفاتيح مزاجنا. فالاعتماد العاطفي أو الفكري على شخص ما ليمنحنا الاستقرار يجعلنا نعيش على إيقاعه إن اقترب ارتحت، وإن ابتعد انكسرت وهنا الخطر الحقيقي في أن يصبح القلب رهينة..
بين معنى الوفاء الذي نحمله… وبين الخذلان الذي يترك في الداخل جرحا لا يراه أحد.
عندما يصبح الخصم شخصاً غاليا قريبا على قلبك او من ظننت انه ظلا لك او سنداً تصبح المواجهة أكثر استحالة.
ففي حروب المشاعر لا يوجد منتصر حقيقي لأن الضربة التي توجع الطرف الآخر… تؤلمك أنت أيضا. وكل انتصار تحققه على حساب نفسك هو خسارة محسوبة لجزء من ذاتك….
لذلك، ليست كل المعارك تخاض بنفس ألادوات.
أحيانا يكون الانسحاب الذكي المؤلم هو أعلى درجات الاحترام للذات أن تبتعد دون أن تمزقك النوايا، وأن تغادر بهدوء دون أن تبارز حقيقة تؤذيك.
قد يكون الانسحاب والاحتفاظ بالذكريات الطيبة هو الانتصار الوحيد الذي لا يجرحك.
فليس كل وداع يعني فشلا أحيانا يعني أنك أخيرا فهمت قيمة نفسك..
هناك عبارة اعجبتني كثيرا دون أن تجد من يصدقها (أنا لست ضعيفا)… لكن الخصم كان شخصا قريبا…
هذه الجملة تختصر كل التباس العلاقة بين القوة و الخذلان بين ما تعطيه بصدق… وبين ما يقابل ببرود أو خذلان أو قسوة أو تجاهل.
الخذلان من الغريب يمكن أن يلتئم… لأن المسافة تخفف وقع الطعنة.
أما عندما يأتي الخذلان من أقرب الناس فإن الندبة تظل غائرة لأن الجرح لا يقتصر على الألم بل يهاجم المعنى ذاته
كيف تنكسر الطمأنينة حين يكون مصدرها المفترض هو من أحببته قبل أن تفهم؟
كيف يتلاشى الأمان حين يكون السند هو الذي يهتز؟
وكيف يمكن أن تصدق الوعود حين تصير الكلمة لا تساوي شيئا؟
نكبر في معترك الحياة و نتدرب على مقاومة العالم:
المرض، الغدر، وحتى الظلم. نحصن انفسنا بالصبر والتجلد، ظنا أن الجبهة الخلفية هي العائلة وهي مناعة لا تتصدع.
لكن ماذا لو تهاوت تلك الجبهة؟
ماذا لو جاء السهم من حيث اعتقدت أنك آمن؟
هنا يصمت كثيرون… لأن الوجع كبير جدا، ولأن الشكوى ممن نحبهم تربكهم
فالروح تبتلع الألم كي لا تلام….
لهذا نحتاج إلى إعادة النظر في ما نعتبره مقدسا في علاقاتنا الأسرية.
ليس كل من ولدنا بينهم هو تلقائيا ملاذنا.
قد يكون في البيت من يعطيك الحب… وقد يكون في البيت من يسرق منك السلام.
قد تكون القرابة وطنا… وقد تكون أحياناً سجنا يلبس عباءة الحنان.
أن تحب لا يعني أن تبرر كل شيء وأن تكون منصفا لا يعني أن تتحمل ما لا يحتمل.
أن تعطي لا يعني أن تستباح.
فالإنسان ليس مسؤولا عن استمرار الأذى لمجرد أنه جاء من قريب.
لكن رغم الحزن ورغم الألم الذي يسكن الذاكرة…
هناك طريق واحد فقط ينقذك
أن تغلق النافذة… وأن تمشي نحو نفسك
حتى لو كان ثمن ذلك أن تعترف أنك فقدت من لم يكن يستحق أن يكون قريبا بهذا القدر من الألم.
نهلة الدراجي
