“بين سدّ دوكان وحِنكة حسين.. أحفادُ الـ 86 يكسرون عُقدة الأربعين

غانم موسى

في المقاهي العتيقة بعلاوي الحلة ، حيث يعج الهواء برائحة التبغ ورنين استكانات الشاي ، لم يكن الحديث عن تكتيك أو تبديلات ، كان الحديث عن الغيرة العراقية بالأمس ، حين أطلق الحكم صافرته في مرتفعات بوليفيا، لم نشعر فقط أننا تأهلنا للمونديال بل شعرنا أن المنطقة الخضراء والبرلمان وكل ضجيج الحرب قد تلاشت، ليبقى فقط صوت نبضنا الذي عاد ليعزف موطني فوق قمم الأنديز .

رباعية الهيبة حين كان للوطن سدّ و عقل و جناح وصخرة دفاع ..

بينما كان شبابنا يقاتلون في بوليفيا، عادت بي الذاكرة لعام 1986 لم يكن أحمد راضي يركض وحيداً آنذاك، بل كان خلفه سدّ عظيم اسمه عدنان درجال الرجل الذي كان يذود عن المرمى بصلابة لا تعرف الانكسار ، وبجانبه العقل المدبر و القناص حسين سعيد ، الذي كان يطوع الكرة بدهاءٍ سياسي فذ ، لكنه دهاءٌ للخير ولرفعة العلم ، لا للمناصب والمكاسب !! ولا ننسى ناظم شاكر (ابو غزالة) صخرة الدفاع العراقي .

ذلك اليوم وفي عزّ دخان الحرب ووجع الفقد ، صنع هذا الرباعي (عدنان وحسين وأحمد وناظم) فرحةً مستحيلة ، هدف أحمد راضي في مرمى بلجيكا لم يكن مجرد كرة سكنت الشباك ، بل كان رسالة بقاء من شعبٍ يُراد له الموت ، نعم كان هدفاً يتيماً ، لكنه كان ثقيلاً بوزن تاريخ ألعراق ، ومنذ ذلك الحين بقيت تلك اللحظة هي الأطلال التي نقف عليها كلما صدمتنا الخيبات السياسية والرياضية .

المفارقة المؤلمة أن جيل 86 تأهل والبلاد في حرب ، وجيل اليوم يتأهل والبلاد في توهان ، بعض السياسيين اليوم يتصارعون ويتقاسمون الوطن كأنه كعكة في حفلٍ صاخب، بينما كان لاعبوا المنتخب في بوليفيا يعلموننا درساً في المواطنة !! هناك، حيث الهواء شحيح، أثبت العراقيون أن رئاتهم تتنفس حب الوطن لا الدولار !

إن هذا التأهل هو صفعة لكل من حاول تمزيق النسيج العراقي ، في الملعب لم نسأل عن مذهب اللاعب أو منطقته ! كنا نرى فيه عدنان درجال في قوته ، وحسين سعيد في مكره الكروي .

لقد كسر هؤلاء الشباب عقدة الأربعين عاماً ، وحرروا هدف أحمد راضي من عزْلته ، ليقولوا للمحسوبين على الوطن لقد عجزتم عن منحنا الأمان، فمنحنا المنتخب الأمل .

عودة الأسد .. بـ خزرة الثمانينات

نحن لا نذهب للمونديال لنكمل العدد نحن نذهب لنستعيد تلك الهيبة التي زرعها فينا جيل عدنان وحسين وأحمد نذهب لنقول إن العراق الذي عبر بوليفيا رغم كل الظروف التي يمر بها ، هو العراق الحقيقي الذي لا يموت .. دعوا صور اساطير الـ 86 ترفرف بجانب صور الأبطال الجدد ، والتاريخ يسجل أن الغيرة العراقية هي الشيئ الوحيد الذي لم يخذل الشعب يوماً ..

شكراً لمن أعاد لنا ضحكة سُرقت منذ عام 1986، وشكراً لمن أثبت أن العراق أكبر من كل شيء. لكن الشكر الأكبر والأول يذهب إلى شهدائنا.. أولئك الذين لولا دمائهم وتضحياتهم لما بقي لنا وطن نهتف باسمه، ولا علم يرفرف في المونديال. هذا التأهل هو وفاء لدموع أمهاتهم، وهدية لأرواحهم التي منحتنا الأمان لنصنع الأمل.

والآن.. إلى المونديال يا عراق فالنوارس عادت لتطير ، والأسود لا ترضى بغير القمة .


مشاركة المقال :