العبارة والمعنى
تفاوضَ المتخاصمون،
فمَن يُفاوضُ القتلى؟
لا أحد.
تنسى الحربُ قتلاها، كما تنساهم المدن.
نحفظ أسماءهم في دفاتر عتيقة، تختفي في ذاكرةٍ منهكة.
الناجون يرمّمون ما سجّله الخراب في حياتهم،
مثلما تفعل الأرض بعد العاصفة؛
تنمو البذور التي اختبأت في جوفها العميق، لتنجو وتزهر.
كنتُ يومًا من الناجين.
والمفارقة الكبرى أن تنجو بعقلك من الهلاك؛
أن تمرّنه على التفكير والتقدير،
أن تزرع فيه أشجارًا حيّة بدلًا من الشظايا،
وأن تمحو عنه آثار الأذى، ليشعر بالنقاء والطمأنينة النادرة.
ترميم الجسد يسير،
لكن ترميم العقل مهمة شاقة وسط خرابٍ يتضخم
حتى يصير أرضًا وفضاء.
لا منفذ من هذا القفص ضيّق الأبعاد؛
لن تستطيع تمرير فكرة، ولا جسد، خارج هذا القدر
الذي ترسمه الحرب بكثيرٍ من الدهاء.
كيف نتخلّص من رائحة البارود
التي تلازمنا حتى بعد ارتداء قمصانٍ ملوّنة؟
هتف الجنود العائدون في طريق النجاة،
وسألوا أمهاتهم:
هل صدّقن حقًا أننا عدنا؟
يريدون دليلًا واحدًا
أنهم خرجوا بمعجزة من تابوت الحرب.
قالت الأمهات:
انتظرناكم طويلًا،
وكلما طرق اليأس أبواب البيوت
صرخنا بأعلى أصواتنا: سيعودون.
لم تؤجّل الحبيبات مواعيد الغرام،
لأنكم ستأتون معطّرين برائحة النرجس
الذي نما في شقوق الأرض المثخنة بالجراح.
سيصبغ الجنود جدران بيوتهم المهملة،
ويعلّقون عليها صور العائلة الملوّنة،
ويدفنون ذاكرة الحرب تحت الأرض؛
فهي وحدها القادرة على أن تُنبت أزهارًا
من خرابها الأزلي.
ويعود الجنود إلى العمل،
يتصارعون مع الحياة التي ابتعدت ثم عادت،
ويترجّلون من الدبابات إلى عربات الشاي في الساحات،
تأخذهم رائحة الفجر إلى أحضان المدينة،
العائدة هي أيضًا من تاريخ الخوف الطويل.
ستعانق المدينة الناجين،
ولن تسأل عن أسمائهم؛
ستباركهم جميعًا،
وتمنحهم جدارًا يسندون إليه ظهورهم
التي أنهكتها الخنادق.
سيتفاوض المتخاصمون في غرفٍ أنيقة،
ببدلاتهم الغالية،
وأربطة عنقٍ مختارة بعناية؛
يبتسمون للكاميرا التي توثّق هذا التاريخ،
ويتصافح الأعداء بكثير من الشغف.
أمّا نحن، القتلى،
فسينبت العشب عند أقدامنا العارية،
ويزهر النرجس عاليًا،
وتمنحنا الأرض أخيرًا
سلامًا أبديًا.
