هل يمكننا إيجاد جيفارا جديد؟ / نهله الدراجي

 

نهلة الدراجي
هذا السؤال ليس مجرد استحضار نوستالجي لرمز فارق الحياة في أدغال بوليفيا قبل عقود، بل هو سؤال فلسفي يضرب في عمق أزمة (البطل) في العصر الحديث….
هل العيب في المصنع الذي توقف عن إنتاج العظماء، أم في المرحلة التي لم تعد تحتمل وجود ملامح حادة كملامح إرنستو تشي جيفارا؟
في زمن جيفارا، كانت الثورة فعلا فيزيائيا يتطلب جسدا يواجه الرصاص، وفكرا يتخمر في العزلة والجبال. أما اليوم، فنحن نعيش في عصر الجماهير الرقمية.
البطل المعاصر يصنع ويهدم بـ (نقرة زر)…. حيث تذوب القضايا الكبرى في فيض من المعلومات المتلاحقة، مما يجعل صمود رمز واحد لفترة طويلة أمرا شبه مستحيل.
إن إيجاد (جيفارا ) جديد يتطلب أولاً إيجاد أرضية صلبة من المبادئ غير القابلة للتفاوض، وهو ما يفتقر إليه عالمنا الذي تحكمه التريندات العابرة. الثائر جيفارا لم يكن مقاتل، بل كان فكرة والفكره لا تموت، فاليوم نرى وجه جيفارا على القمصان والقبعات أكثر مما نرى مبادئه في ممارسات التغيير….!.

فلسفيا، تعكس رغبتنا في إيجاد جيفارا جديد حالة من الاغتراب الجماعي. الجماهير بطبيعتها تبحث دائما عن شخصية توحد شتاتها، عن شخص يمتلك الكاريزما والقدرة على التضحية المطلقة…
ولكن، وللاسف الشديد في ظل الرأسمالية المتوحشة والعولمة الثقافية، تحول الثائر من محرك للتغيير إلى سلعة استهلاكية.
السؤال هنا هل يمكن للفضاء الرقمي أن ينجب لنا ثائرا؟
ربما، ولكن سيكون ثائرا بلا جسد، بلا رائحة عرق أو غبار جبال. جيفارا الجديد إن وجد لن يرتدي بذلة البطل التي كان يرتديها ولن يحمل بندقية، بل قد يكون مبرمجا يخترق أنظمة الظلم بـ (كود)، أو صحفيا يكشف عورات الاستبداد بكلمة لا تموت.
الفارق أن تلك الأساطير الحقيقية كانت تبنى لتبقى آلاف السنين، بينما أبطال اليوم يسقطون في اختبار (الاستمرارية). اليوم نحتاج إلى روح جيفارا التي تؤمن بأن التغيير ممكن، حتى لو كان العالم كله يقف في الطرف المقابل.
ربما لن نجد جيفارا واحدا، بل سنجد آلاف “الأنصاف” من جيفارا مشتتين في كل من يرفض الظلم بطريقته الخاصة. فالثورة الحقيقية اليوم ليست في تغيير الأنظمة فحسب، بل في حماية إنسانيتنا من التشيؤ والنسيان…..


مشاركة المقال :