التوبة في منطق القران الكريم والعترة الطاهرة

الشيخ علي جواد

التوبة ليست كلمة تقال ولا مجرد لقلقة لسان اوكلام عابر بلا قصد وإصرار وندم ،التوبة درجة سامية ومنزلة رفيعة لا تتحقق إلّا بتوفر مجموعة من الشرائط و لا ينالها إلّا ذو حظ عظيم اذ العبد العاصي المذنب الذي ارتكب المحرمات التي نهى الباري تعالى عنها وترك الواجبات المامور بها من قبل الله تعالى هذا العبد لايكون إلّا مغضوب عليه بما جنته يداه من المعاصي وأقترفت من قبائح الآثام بتباعه الشهواة والركون لهوى النفس الأمارة بالسوء ملبيا لها ومنصاع لرغباتها وملذاتها متنكبا الى عواقب الأمور غير ملتفت الى خطورة ونتائج السير في الطريق الخاطئ حتى أصبح بعيدا عن رحمة الباري تعالى يوما بعد يوم بل ساعة بعد ساعة تتقاذفه الشهوات والرغبات غبر مبالٍ بمن يعصي ولم يكترث بعظمة الباري تعالى وقدرته عليه وأنه يعرض نفسه الى سخط الله سبحانه وتعالى ولايهتم بعمره الذي ينقضي يوما بعد آخر وهو في ملذاته . فاذا أفاق من سكراته وأراد أن يتوب كيف يتوب وماهي شروط التوبة .

السؤال المهم والجوهري كيف نتوب وماهي شرائط التوبة : حتى تكون التوبة مقبولة عند الله تعالى وتترتب عليها آثارها الحميدة في الدنيا والآخرة ،وهذه التوبة بهذه المنزلة اولاها النص الديني مزيدا من الإهتمام والعناية وهذا ماذكرهالقران في الآيات المباركة والروايات الشريفة اذ الباري سبحانه جعل بابا الى عباده سماه التوبة وجعل لها شروطا واضحة لأجل دخول هذه الباب عن دراية ومعرفة تامة ولم يكن مجهولا باب التوبة اوموصد بوجه المذنبين لا يمكن فتحه ، بل جعله الله تعالى طريقا واضحا مهيعا موصلا الى التوبة الحقيقة حتى نلج في الرحمة الالهية والشمول بعفوه ولطفه وغفران الذنوب .

الجواب :إن الله تعالى جعل الثقلين القران الكريم و أهل البيت عليهم السلام هما مصدران اساسيان كل واحد منهما نور يستضاء به وكلاهما نور على نور تتجلى بهما حقائق الأمور ويتضح طريق الهداية والإستقامة بهما بما لا لبس فيها وبلا أدنى شك او ريب فالقرآن يدل على عظيم منزلتهم عليهم السلام وعلو مقامهم عند الله تعالى وسمو شانهم ، وهم عليهم السلام المبينون لحقائق القرآن الكريم والمطهرون الذين يمسون كنوز معارفه ويستنبطون احكامه ، ويجتمع كل المسلمين على أنه المصدر المعصوم والمرجع لهم وهم مأمورين بالرد اليه ، وهم عليهم السلام النبع الصافي لفهم القران الكريم والأخذ منهم معارف وأسرار القرآن المجيد.

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام يبين فيها شرائط التوبة عندما قال رجل بحضرته: استغفر الله :فقال له الامام عليه السلام:

“ثكلتك أمك! أتدري ما الاستغفار؟

ان الإستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معاني:

 

اولها: الندم على مضى.

 

والثاني: العزم على ترك العود عليه أبدٱ….

 

والثالث: ان يؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى يرى الله املس ليس عليك تبعة.

 

والرابع: ان تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها تؤدي حقها..

 

والخامس: ان تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، وينشأ منهما لحم جديد

 

والسادس: ان تذيق الجسم الم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: استغفر الله.

وبيان هذه الرواية على التقسيم المذكور حسب ما ورد في حديث الإمام عليه السلام :

اولا- الندم: هوالحزن اوأشد الحزن والتحسر على ما بدر العبد من الذنب واقترفه .

الندم يفرق عن الهم من جهتين :

اولا : الندم أخص مفهوما من الهم .

ثانيا : الندامة تحصل غالبا عن تقصير ،والهم يحصل بسبب تقصير اولا.

ولذلك صار الهم أعم من الندام .ورد عن الامام الرضا ( عليه السلام ) بهذا الصدد : « من استغفر الله بلسانه ولم يندم بقلبه ، فقد استهزأ بنفسه » وايضا ورد عن الامام علي عليه السلام ( إن الندم على الشرّ يدعو إلى تركه) والمقصود بالترك هو الترك النهائي وإلّا لوجاء بالذنب ولو مرة واحدة فلا يسمى تاركا .

موجبات النّدم أربعةٌ :

تضييعُ الأموال الكثيرة والاوقات : ومن يهدر امواله في ايام الخير والوفرة لكن يتحسر عليها عند العسرة والشدة .واما الأوقات وكم من أيام وليالي وساعات ذهبت في أمور تافهة لاتستحق هدر ذلك لها .

2-عدمُ القيامِ بالواجبات: كالصلاة والصوم وللحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشهادة الحق وعدمُ أداء الحقوق كحق نفقة الأبوين والزوجة ولأولاد والحقوق الشرعية ، أو التّقصيرُ فيهما يرد بعضها او جزءا او مماطلا في اداء الحقوق .

3-الدّخولُ فيما لا يعنيه: وهذا تجده عند بعض الناس يدخل في موضوع خلاف بلا إذن من الأطراف او يدخل بين بائع ومشتري او اي موضوع يكون زج نفسه فضولا فإذا تلقى كلام جارح فلا يلوما إلّا نفسه .

4- يعيش العبثية : بلا هدف في حياته ، أو يوجد هدف ولكن مقصر في الوصول اليه مشتغل بأمور جانبيه .

البينُ جرعني نقيعَ الحنظلِ و البينُ أثكلني وإنْ لم أثكلِ

ما حسرتي أنْ كدتُ أقضي إنما حَسرَاتُ نَفْسي أنَّني لم أفْعلِ

ثانيا :العزم على ترك : وهنا أمر مهم يجدر الإشارة اليه وهي كلمة (العزم )أنه لابد أن يكون قاطعا ومتيقنا بعد العود للمعصية و ارتكاب الذنب مرة أخرى وعلى هذا فلا يصح أن يسمى نادما لمن كان مترددا او شاكا او الظانا بأنه يمكن أن يعود لذنبه بل لابد عليه أن يقطع عهدا مع نفسه بعدم العود ابدا .

ثالثا : إن تؤدي الى المخلوقين (الناس )حقوقهم حتى تلقى الله وليس عليك تبعة .

الحقوق تارة مادية كالزكاة والخمس والكفارات ومرد مظالم العباد عندك والنفقة والمهر وغير ذلك كل هذه لابد من ارجاعها الى أصحابها .

وتارة تكون الحقوق غير مادية فلابدأ تؤديها ايضا اي تاتي بالحقوق بالشكل الصحيح كحق العبودية لله تعالى وعدم الخروج عن زي العبودية وحق طاعة الإمام عليه السلام ونصرته والدعاء له وحق الأبوين من الإحترام والخضوع لهما وحق الجار من حسن الجيرة وغير ذلك من الحقوق .

رابعا :إن تعمد الى أداء كل فريضة عليك ضيعتها تؤدي حقها كالصلاة والصوم والحج وبعض هذه الفروض يترتب على تضيعها كفارة او فدية هذا كله واجب الاداء .

خامسا : إن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بسهر ليالي حتى يلصق الجلد بالعظم وينشا منها لحم جديد ، كالاموال التي جمعتها من طرق غير شرعية كالربا والسرقة وبيع المحرمات كالخمر وأكل حق الورثة وهناك معاملات سحتيه لايلتفت لها .

سادسا : إن تذيق الجسم الم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول استغفر الله فلابد من الإتيان بالإعمال التي هي طاعة واجبة اكانت اومستحبة كالتعبد بالصلاة والصيام وفعل الصالحات وخدمة المؤمنين والتهجد بالاسحار وتلاوة القران العزيز والادعية وغير ذلك .

 

 

ويُعين على فهم هذا العمق ما قرّره ملا صدرا الشيرازي حين نظر إلى أفعال الإنسان بوصفها قوى تُعيد تشكيل باطنه مع الزمن. الفعل المتكرر لا ينقضي بانتهائه، بل يترك أثراً يتكثّف حتى يصير هيئةً راسخة تدخل في طريقة إدراك الإنسان لنفسه والعالم من حوله.

 

بهذا الاعتبار، الذنب يستقر كميل داخلي يُعاد تفعيله كلما توفرت ظروفه، ومع تراكم هذا الأثر تنشأ ألفة خفية بين النفس والفعل، تجعل الرجوع إليه أقرب من التفكّر فيه. هذه الألفة لا تُرى بسهولة، لكنها تعمل بصمت وتوجّه الاختيار من الداخل.

 

التوبة في هذا المستوى حركة واعية تُفكك هذا الأثر المتراكم، وتعيد ترتيب الميل عبر مجاهدة متصلة وبصيرة حاضرة. ومع انحلال هذه الهيئة شيئاً فشيئاً، يتبدل اتجاه النفس دون افتعال، ويأخذ السلوك مساره الجديد بثبات هادئ.

 

وعند هذا الحد، يستقر التحول في عمق الإنسان، ويغدو الثبات امتداداً لطبيعة تغيّرت، لا قراراً مؤقتاً يحتاج إلى شدّ دائم.

 

 

الخاتمة :

من كان غايته الرجوع الى الله تعالى قبل فوات الأوان حينما تخفق عند رأسه أجنحة الموت ولايفيده قول ارجعوني عندما تشخص الابصار وتبلغ القلوب الحناجر ويعض انامله حسرة وندما ، فلابد بالعجالة الشديدة أن يتدارك ما بقي من عمره فعليه أن يسلك طريق التوبة الذي رسمه القران الكريم للعبد المذنب وهو طريق التوبة وهو الذي يوصلك الى غايتك وهي النجاة و الرجوع الى الله تعالى وهناك ستة شروط ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام فمن جاء بها تكون توبته مقبولة عند الله تعالى ويصبح كيوم ولدته أمه بصحيفة بيضاء وسريرة نقية وطاهرة.


مشاركة المقال :