شاشة الكراهية

هاشم ذياب الجنابي

في خضم انشطار الوجدان العربي القومي والمذهبي وفي وسط الصدامات السياسية المشتعلة.تترنح المنطقة اليوم فوق صفيح ساخن من التحولات السريعة. حيث تندلع شرارة المواجهة الكبرى بين طهران من جهة. وواشنطن وتل ابيب من جهة اخرى. في صراع وجودي تجاوز حدود الجغرافيا السياسية لينفذ الى عمق النسيج الاجتماعي العربي. محولا منصات التواصل الاجتماعي الرقمية الى خنادق مشتعلة تضج بضجيج الكراهية الممنهجة.

إن المشهد الراهن يجسد ذروة الاستقطاب الراديكالي. فبينما تحلق المسيرات والصواريخ في الفضاءات السيادية.تنقسم الشعوب العربية الى تيارات متناحرة تتجاذبها ايديولوجيات متصادمة. فهناك تيار يرى في الصدام الراهن فرصة للتحرر والانعتاق . متبنيا خطابا حماسيا يقدس المواجهة. وفي المقابل يبرز تيار ينظر بعين الريبة والتوجس. مستحضرا هواجس التمدد الاقليمي والمشاريع التوسعية.وبين هذا وذاك تطل ظاهرة الشماتة السياسية برأسها المثقل بالاحقاد التاريخية. حيث يغدو الانكسار لدى اي طرف مادة للتشفي والاحتقار للممنهج للمقابل بصورة واضحة للعيان.

وما يزيد المشهد قتامة واشتعالا. تلك التصريحات الاستفزازية التي تنضح بالاستعلاء والغطرسة. كحديث السفير الامريكي في تل ابيب عن حلم اسرائيل الكبرى الممتدة من النيل الى الفرات..وأن هذه الارض موعودة من الله لليهود..هذا المنطق الامبريالي الفج يمثل طعنة في خاصرة السيادة العربية. ومحاولة لترسيخ خارطة استيطانية تلغي وجود الامة. ومع ذلك نجد من يحلق في الفضاء الرقمي للتقليل من خطورة هذه التصريحات او توظيفها في كيد سياسي ضيق. مما يعكس حالة من التيه الاستراتيجي والقصور المعرفي في ادراك ابعاد المشروع الاستعماري المتجدد.أن هذا التراشق اللفظي الذي يشهده الفضاء الافتراضي ليس مجرد انفعالات عابرة. بل هو انعكاس لتمزق الهوية العربية الاصيلة والتنحي عن القيم والأخلاق الاسلامية. لقد نجحت الاجندات الاعلامية العابرة للحدود في صياغة وعي زائف. يقتات على تعميق الفجوات الطائفية والمناطقية. فبدلا من ادراك تعقيدات اللعبة الجيوسياسية التي تحول الارض العربية الى مسرح لتصفية الحسابات الدولية وتطبيق مخططات التوسع. انغمس الكثيرون في صراعات بينية ضيقة. مشيدين جدرانا من العداء النفسي الذي يصعب هدمه..أن شاشة الكراهية اليوم تبرز كأداة لتفتيت القوة المعنوية للامة. حيث يتم استنزاف الطاقات في معارك كلامية تفتقر الى الحد الادنى من الموضوعية. ان القبول الضمني بتبعية المواقف. والانسياق خلف سرديات القوى المتصارعة دون تمحيص.ادى الى حالة من الشلل الفكري. حيث غابت الرؤية الاستراتيجية الموحدة التي تغلّب المصلحة العليا فوق الاعتبارات الفئوية الضيقة…وفي الختام. يظل الرهان قائما على استعادة الوعي النقدي القادر على تفكيك هذه الروايات القديمة المضللة والجدال المذهبي البائس . فأن الخروج من نفق الكراهيةالرقمية يتطلب شجاعة معرفية للاعتراف باننا لسنا مجرد متفرجين في سيرك دولي. بل نحن المستهدفون الحقيقيون من وراء خرائط الكيان الصهيوني ومن وراء هذا التشرذم. فما لم نتحرر من سلطة الشاشة التي تبث سموم الفرقة. سنبقى وقودا لحروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل. غارقين في تيه لا ينتهي من الانقسامات الوجدانية والسياسية…ويبقى كره مستديم وثارات غبية في رقابنا لاذنب لنا ولالأبنائنا فيها…الامة تحتاج للرجوع الى الله…


مشاركة المقال :