إنها أخلاق الفرسان

فلاح الكلابي

يخرج من يسأل: كيف يُغتال القائد؟ أين التحصينات؟ أين كانت الأجهزة؟ لماذا لم يختبئ؟

هذه الأسئلة تنطلق من تصور أن القائد الحقيقي يتصرف كرجل مطارد، يغير مكانه كل ليلة، ويعيش تحت الأرض. وهذا تصور لا ينطبق على موقع مختلف تماماً.

المرشد ليس زعيم مجموعة مسلحة تعمل في الظل. هو مرجع ديني وزعيم دولة. موقعه معلن، حضوره علني، ومسؤوليته عامة. في العرف الحوزوي لا يمكن أن تكون مرجعاً دينياً يعيش حياة الاختباء الدائم. المرجعية تقوم على الظهور، على استقبال الناس، على إدارة شؤون دينية وسياسية بشكل مفتوح. منطق المرجع يختلف جذرياً عن منطق قائد ميليشيا يتنقل كل يوم بين مخبأ وآخر.

لهذا كان استهدافه ممكناً. ليس بسبب غفلة، ولا بسبب انهيار في الفهم، بل لأن طبيعة موقعه لا تسمح له بأن يتحول إلى رجل يعيش في الأنفاق. لو اختار أسلوب التخفي الدائم لفقد جزءاً أساسياً من معنى المرجعية نفسها. المرجع الذي يختبئ كأنه مطارد يفقد صورته كمرجعية عليا تقف أمام الناس لا خلفهم.

القضية هنا ليست أمنية فقط، بل أخلاقية ومؤسسية. هل يتحول رأس الدولة ومرجعها الديني إلى شخصية سرية؟ هل تُدار شؤون بلد كبير بعقلية الهروب اليومي؟ هذا لا ينسجم مع طبيعة المنصب ولا مع الثقافة التي أنتجته.

قبل أربعة عشر قرناً، حين وقف الإمام الحسين في مواجهة سلطة أقوى منه، لم يكن يتصرف كرجل يبحث عن ممر آمن. كان يدرك النتائج، ومع ذلك اختار المواجهة العلنية. قال: «هيهات منا الذلة». كان ذلك تحديداً لطريقة العيش والموت معاً.

اليوم يظن البعض أن اغتيال القائد يعني نهاية دوره. لكن التاريخ يعلّمنا أن هناك شخصيات تتحول بعد موتها إلى معيار دائم. يزيد ظنّ أنه أنهى خصماً سياسياً، لكنه ثبت اسمه في الوعي الجماعي رمزاً للمظلومية والكرامة، بينما التصق اسمه هو بصورة أخرى لا تنفصل عنه.

المسألة لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل بفكرة القيادة نفسها. هناك من يعيش ليطيل عمره، وهناك من يعيش ليحفظ معنى يمثله. الأول يغير موقعه كل ليلة، الثاني يبقى في موقعه حتى النهاية.

لذلك فإن السؤال عن سبب عدم اختبائه يكشف سوء فهم لطبيعة دوره. لم يكن قائداً لمجموعة سرية حتى يتصرف بعقلية العمل السري. كان مرجعاً وزعيم دولة، وحياته كانت جزءاً من موقعه العلني.

قد يرون أنهم أنهوا الرجل.

لكنهم لم ينهوا الفكرة التي كان يمثلها.

والتاريخ لا يقف عند لحظة الاغتيال، بل يبدأ أحياناً منها.


مشاركة المقال :