الجواهري واستكان الشاي د. احمد مشتت

العبارة والمعنى 

ليست المشكلة في إعلانٍ عابر، ولا في مشهدٍ تلفزيوني يُطوى سريعاً في ذاكرة الأخبار. المشكلة أعمق منذلك بكثير. حين يظهر محمد مهدي الجواهري في إعلانٍ وهو يقدّم الشاي لسياسي، فإن الأمر لا يتعلّقبمحاولة إخراجية سيئة، ولا بخلطٍ ساذج بين السياسة والشعر. ما يحدث هو إعادة تشكيلٍ متعمّدةللرمز، واختزاله، وإعادة توظيفه في سياقٍ يُفرغه من معناه.

هكذا تُستعاد صورة الشاعر الكبير الجواهري، ولكن على نحوٍ مشوَّه. إنها عملية اغتيالٍ رمزي تتمّ بإصرارٍواضح، لا يهاب قيوداً ولا تحديات. وتُطاح قيمة الشعر ورمزه الأعلى من دون إراقة دماء.

قد يبدو من السهل اعتبار هذا الخلط بين السياسة والشعر، في الإعلان الذي ظهر فيه الشاعر الجواهريوهو يقدّم الشاي لسياسي، خلطاً اعتباطياً غير ممنهج وساذجاً. غير أنّ الأمر ليس كذلك. فمنذ لحظةالتفكير في هذا الإعلان وحتى إنجازه، تبدو هناك خطة محكمة تقودها رغبة أزلية في الإطاحة بكل رمزٍمهم وتاريخي وجليل في هذا العراق الذي لم نعد نعرفه.

العراق الذي سُرقت ثقافته الرصينة، وتعرّضت هويته لأشكالٍ مختلفة من الهيمنة الأيديولوجية. ففي كلمرحلة كانت هناك محاولة لإعادة تعريف الهوية العامة: تغيير أسماء، وتعديل سرديات، وإعادة ترتيبالأولويات الرمزية. وما يحدث اليوم يمكن قراءته ضمن هذا المسار الطويل من إعادة تشكيلتدميرالذاكرة.

وهكذا تُغيَّر أسماء الشوارع، وهوية المدن، واتجاهات الثقافة، وتُمَسخ روح المدنية التي صمدت طويلاًفي وجه أعدائها الأزليين. إن هذا المنهج المركَّز في التغيير يتمّ وفق أسسٍ وقوانين وجهود محسوبةبدقّة التفاصيل.

كل يومٍ حكاية،

وكل يومٍ كارثة تُصنع أمامنا،

ولا نفعل سوى أن نتذمّر بصمت.

من فكّر في جمع الشاعر الجواهري مع سياسي في مشهدٍ مهين، فكّر في سرقة رمزٍ منا، وشاهدٍ، وعنوان. الشاعر يُستدرج ليخدم السياسي.

والشاعر الذي لم ينحنِ للكوارث والطغاة، يُراد له أن ينحني وأن يكسر ظهره أمام سياسي طارئ.

كل ذلك يمرّ بصمتٍ من قبل دولةٍ رثّة ما تزال تحتضر، لكنها تتشبّث بآخر أنفاسها؛ دولة سمحت بمرورهذا الإعلان، وباركته، ورعت من نفّذه بثروتها المبدَّدة.

بدأ الجواهري بوصفه صورةً في إعلان، لكن المسألة تتجاوز شخصه إلى كل رمزٍ ثقافي يمكن استدعاؤهوتحييده: الرصافي، والبياتي، والسيّاب، وسعدي يوسف، وسواهم من العلماء والمفكرين الذين شكّلواالوعي العراقي الحديث. جميعهم قابلون لأن يُعاد تدويرهم في سياقاتٍ لا تشبههم، إذا غاب الوعيالنقدي.

الدفاع عن الجواهري هنا ليس دفاعاً عن شاعرٍ في مواجهة إعلان، بل دفاعٌ عن فكرة أن الثقافة ليستمخزناً للصور الجاهزة، ولا بنكاً رمزياً يُسحب منه عند الحاجة السياسية. الثقافة ذاكرة حيّة، وضميرنقدي، ومساحة مقاومة رمزية.

الغاية أن يُفرَّغ العراق من ثروته الثقافية والعلمية الأصيلة. والغاية الأهم أن يُركَع العراق ويُجعَل ينحنيأمام الجهل المقدّس، كما أُريد للجواهري أن ينحني صامتاً.

وهو الذي لم يبقَ فيه مايبتزه الألم.

ذلك الصوت الاحتجاجي المهيب ، نصادره اليوم ونحن نضحك، غير نادمين على خساراتنا الفاجعة


مشاركة المقال :